كشفت تقارير صحفية أمريكية، نقلاً عن مسؤولين رفيعي المستوى، عن تطورات حاسمة في مسار المفاوضات النووية، حيث برز التزام إيران بقرار التخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب كأحد أهم البنود ضمن المقترح الأمريكي الشامل. يهدف هذا المقترح إلى إنهاء حالة التوتر الحالية، وفتح مضيق هرمز الاستراتيجي، في إطار سلسلة من المفاوضات المعقدة التي تسعى لإعادة صياغة مستقبل البرنامج النووي الإيراني وتجنيب المنطقة تصعيداً عسكرياً غير محسوب العواقب.
السياق التاريخي لأزمة اليورانيوم عالي التخصيب والمفاوضات النووية
تعود جذور هذه الأزمة إلى عام 2015 عندما وقعت طهران الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) مع القوى العالمية، والذي حد من قدرتها على تخصيب اليورانيوم بنسب تتجاوز 3.67%. ولكن، مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية، بدأت طهران في التراجع التدريجي عن التزاماتها. أدى ذلك إلى تسريع وتيرة التخصيب حتى وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما أثار قلق المجتمع الدولي.
وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك طهران حالياً ما يقرب من 970 رطلاً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وتعتبر هذه النسبة قريبة جداً من الناحية التقنية من مستوى 90% المطلوب للاستخدام العسكري وتصنيع الأسلحة النووية. لذلك، فإن التخلي عن هذا المخزون يمثل نقطة تحول جوهرية لضمان عدم وصول طهران إلى العتبة النووية، سواء عبر نقل المخزون إلى روسيا كما حدث سابقاً، أو خفض نسبة التخصيب لمستويات مدنية.
آليات التخلص من المخزون النووي والضغوط الأمريكية
وأوضحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المقترح الحالي لم يحسم بعد الآلية النهائية للتخلص من هذا المخزون الحساس، حيث من المقرر ترحيل التفاصيل الدقيقة إلى جولات تفاوضية لاحقة. وقد أبدت طهران في البداية ممانعة شديدة لإدراج ملف مخزونها النووي ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق. إلا أن المفاوضين الأمريكيين أوصلوا رسالة حازمة عبر وسطاء دوليين، مفادها أن واشنطن ستنسحب فوراً من المحادثات وتستأنف الخيارات العسكرية إذا لم يتم تضمين هذا البند الأساسي.
في هذا السياق، تشير المصادر إلى أن إصدار طهران بياناً رسمياً تتعهد فيه بالتخلي عن هذا المخزون يُعد خطوة حاسمة لإنجاح الاتفاق، خاصة في ظل التخوفات من معارضة قوية داخل الكونغرس الأمريكي لأي تسوية قد تُعتبر تنازلاً لصالح طهران.
الخيارات العسكرية المطروحة وتأثير الاتفاق على الاستقرار الإقليمي
لم تكن الدبلوماسية هي الأداة الوحيدة على الطاولة؛ فقد نقلت التقارير أن المخططين العسكريين الأمريكيين عرضوا مؤخراً خيارات لضرب منشأة أصفهان النووية، حيث يُعتقد أن الجزء الأكبر من المخزون الإيراني مخبأ تحت الأرض. وشملت السيناريوهات استخدام قنابل خارقة للتحصينات، بل ومناقشة عمليات كوماندوز نوعية لاستعادة المواد النووية، قبل أن يتم التراجع عن هذه الخيارات بسبب المخاطر الإقليمية الكبرى التي قد تشعل حرباً واسعة النطاق.
من هنا تبرز الأهمية البالغة لهذا التطور. فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، سيؤدي نجاح هذا الاتفاق إلى نزع فتيل أزمة كادت أن تعصف بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط. كما أن التوصل إلى تسوية سلمية سيعزز من استقرار أسواق الطاقة العالمية ويخفف من حدة الاستقطاب في الشرق الأوسط، مما ينعكس إيجاباً على الأمن والسلم الدوليين.
الأموال المجمدة مقابل استدامة المسار الدبلوماسي
ولضمان استمرار طهران في مسار التفاوض، يتضمن الاتفاق المقترح الإفراج التدريجي عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. ومع ذلك، تم وضع شروط صارمة، حيث سيتم ربط جزء كبير من هذه الأموال بصندوق مخصص لإعادة الإعمار، ولن تتمكن الحكومة الإيرانية من الوصول إليه بالكامل إلا بعد التوقيع على اتفاق نووي نهائي وشامل. هذه الآلية تضمن التزام جميع الأطراف وتمنع أي تراجع قد يعيد المنطقة إلى مربع التوتر الأول.


