في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيداً وإثارة للجدل في العصر الحديث، كشفت تقارير إسرائيلية حديثة تفاصيل غير مسبوقة عن أسرار عملية أجهزة البيجر المفخخة التي استهدفت الآلاف من عناصر «حزب الله» اللبناني في سبتمبر 2024. هذه العملية، التي أحدثت زلزالاً أمنياً، لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسنوات من التخطيط الدقيق والاختراق العميق.
السياق التاريخي لحرب الظل والاتصالات
لفهم أبعاد هذه العملية، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للصراع بين إسرائيل و«حزب الله». على مدار عقود، انخرط الطرفان في حرب استخباراتية شرسة، حيث سعت إسرائيل باستمرار لاختراق البنية التحتية للحزب. وفي المقابل، لجأ «حزب الله» إلى تبني وسائل اتصال بديلة ومغلقة لتجنب التفوق الإسرائيلي في مجال الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT). هذا التوجه دفع الحزب للاعتماد على تكنولوجيا قديمة نسبياً مثل أجهزة النداء الآلي (البيجر)، ظناً منه أنها بمنأى عن الاختراق والتتبع، وهو ما استغله الجانب الإسرائيلي لتحويل نقطة القوة المفترضة إلى ثغرة قاتلة.
سباق مع الزمن: كيف كادت أجهزة البيجر المفخخة أن تُكتشف؟
وفقاً لما أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست»، استناداً إلى كتاب «رسالة مصيرية» لضابط متقاعد في «الموساد» استخدم اسماً مستعاراً هو «آدم فاين»، واجهت العملية خطر الانهيار الكامل قبل أسابيع من تنفيذها. فقد اقترب عنصر تقني في «حزب الله» من اكتشاف أن الأجهزة كانت ملغمة. هذا التطور الخطير دفع رئيس «الموساد»، ديفيد برنياع، لعقد اجتماع عاجل مع مسؤولي سلاح الجو الإسرائيلي في صيف 2024. وتحرك الجهاز بسرعة لاستدراج العنصر التقني إلى جنوب لبنان حيث تم استهدافه قبل استكمال فحصه. ورغم محاولة الحزب لاحقاً التواصل مع الشركة المصنعة «غولد أبولو» التايوانية بشأن رسالة أرسلها العنصر قبل مقتله، تمكن «الموساد» من اعتراض الرسالة وتعطيل المراجعة التقنية.
مخاوف من الفحص الإيراني وخلافات التوقيت
لم يقتصر القلق الإسرائيلي على فحوصات الحزب الداخلية، بل امتد لاحتمال خضوع الأجهزة لفحص تقني إيراني متقدم، خاصة بعد استعداد أحد عناصر الحزب لنقل جهاز إلى مسؤول في «الحرس الثوري» بطهران. هذا التهديد أثار خلافات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية؛ حيث رأى قادة الجيش ضرورة تسريع التنفيذ، بينما تمسك «الموساد» بتوقيته، معتبراً أن التحول الاستراتيجي للتركيز من غزة إلى لبنان كان عاملاً حاسماً.
واجهات تجارية وعمليات تصنيع معقدة
لم يتقبل «حزب الله» عرض الأجهزة الجديدة بسهولة، حيث فضل قادته اختيار أنظمة الاتصالات بأنفسهم. لكن توقف بيع الأجهزة القديمة دفعهم للقبول بالنظام الجديد. ولتبديد الشكوك، استخدم «الموساد» واجهات تجارية حقيقية، أبرزها شركة BAC Consulting ومديرتها كريستيانا بارسوني، إلى جانب شخصيات غامضة مثل «تيريزا» ومسؤولة الموساد «عينات» التي عملت تحت اسم «ليلى». ولتلبية طلبية الحزب البالغة 5000 جهاز في وقت قياسي، اضطر «الموساد» لتحويل صالات الألعاب الرياضية داخل منشآته إلى خطوط تجميع مؤقتة في جهود وُصفت بالجنونية.
جذور الفكرة والقرار الحاسم
بدأت فكرة المشروع داخل «الموساد» منذ عام 2019، وواجهت اعتراضات تقنية وعملياتية واسعة، حتى قدمت محللة شابة تقريراً يثبت إمكانية إخفاء المتفجرات داخل الأجهزة. وفي النهاية، حسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القرار بالموافقة على التنفيذ، متجاوزاً تحفظات بعض قادة الجيش الذين خشوا من اندلاع مواجهة واسعة غير محسوبة.
التداعيات الإقليمية والتأثير الاستراتيجي للعملية
لم تكن أهمية الحدث مقتصرة على الخسائر البشرية، بل امتد تأثيره المتوقع ليشمل مستويات عدة. محلياً وإقليمياً، وجهت العملية ضربة قاصمة ومؤقتة لمنظومة القيادة والسيطرة داخل «حزب الله»، وأحدثت صدمة نفسية هائلة في صفوفه، مما مهد الطريق لاحقاً لتوسيع إسرائيل لعملياتها العسكرية في لبنان. ودولياً، فتحت هذه العملية باباً واسعاً للنقاش حول أمن سلاسل التوريد العالمية، والمخاطر الأخلاقية لتحويل التكنولوجيا المدنية إلى أسلحة فتاكة، ناهيك عن الأضرار الجانبية التي طالت مدنيين. كما سلطت الضوء على الثمن النفسي والعائلي الباهظ الذي يدفعه العاملون في أجهزة الاستخبارات نتيجة انخراطهم في عمليات طويلة ومعقدة.


