كشفت تقارير صحفية عالمية عن فضيحة مالية مدوية تهز الأسواق العالمية، حيث أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى تورط منصة “بينانس” الشهيرة في عمليات تمويل إيران بالعملات المشفرة. وأكدت المصادر وجود تحويلات مالية بمليارات الدولارات يُشتبه في استخدامها لدعم الحرس الثوري الإيراني، في خطوة تثير تساؤلات كبرى حول مدى التزام منصات التداول الرقمي، التي يمتلكها الملياردير تشانغ بينغ تشاو، بالقوانين الدولية الصارمة.
كيف تمت عمليات تمويل إيران بالعملات المشفرة عبر بينانس؟
رجح مسؤولون في إنفاذ القانون ومصادر مطلعة أن نحو 425 مليون دولار جرى تحويلها عبر منصة “بينانس” لصالح جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. واستناداً إلى تحليل أجرته شركة متخصصة في بيانات “البلوك تشين”، قام البنك المركزي الإيراني بتحويل 107 ملايين دولار من العملات الرقمية عبر سلسلة من المعاملات إلى حسابات على المنصة خلال عام 2025. وأكد مسؤولون أجانب رصد تدفقات مالية في شهر مايو الجاري نحو كيانات إيرانية مرتبطة بالنظام. وتشير التقارير الداخلية لشركة “بينانس” إلى أن ممولاً رئيسياً للنظام الإيراني أنشأ شبكة سرية لضمان استمرار تدفق الأموال إلى القوات العسكرية الإيرانية، وكانت المنصة في صلب هذه الشبكة.
باباك زنجاني: العقل المدبر للالتفاف على العقوبات
أوضحت التقارير أن الشبكة التي يُشتبه في إدارتها من قبل رجل الأعمال الإيراني المثير للجدل، باباك زنجاني، نفذت معاملات بقيمة 850 مليون دولار على مدى عامين. زنجاني، البالغ من العمر 55 عاماً، عاد إلى الواجهة بعد سنوات قضاها بين السجن وحكم الإعدام، ليؤدي دوراً محورياً في جهود طهران للالتفاف على العقوبات الأمريكية. قبل اعتقاله، كان زنجاني واحداً من أثرى رجال الأعمال في إيران، حيث كوّن ثروة ضخمة من تجارة النفط والتحويلات المالية السرية لصالح النظام خلال سنوات العقوبات الغربية السابقة. وأدار مقربون منه، بينهم شقيقته، حسابات إضافية تم الوصول إليها عبر الأجهزة ذاتها، مما يشير إلى نمط واضح للتهرب من العقوبات.
الخلفية التاريخية: صراع طهران المستمر مع العقوبات الاقتصادية
لفهم أبعاد هذه الفضيحة، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعقوبات المفروضة على طهران. منذ عقود، تخضع إيران لسلسلة من العقوبات الاقتصادية القاسية، تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي، بهدف تحجيم برنامجها النووي وتقليص نفوذها الإقليمي. أدت هذه العقوبات إلى عزل النظام المالي الإيراني عن النظام المصرفي العالمي، مما دفع طهران للبحث عن بدائل غير تقليدية. ومع ظهور التكنولوجيا المالية الحديثة، وجدت إيران في الأصول الرقمية ملاذاً آمناً لتجاوز القيود المفروضة. استخدام التشفير لم يكن وليد اللحظة، بل هو تتويج لسنوات من المحاولات الإيرانية لخلق قنوات مالية موازية بعيداً عن الرقابة الأمريكية، مما يجعل هذه الحادثة جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد للبقاء الاقتصادي.
التداعيات الإقليمية والدولية لاختراق النظام المالي العالمي
تحمل هذه التسريبات أهمية بالغة وتأثيرات متوقعة على مستويات متعددة. محلياً، تمنح هذه الأموال الحرس الثوري الإيراني شريان حياة اقتصادياً يعزز من قدراته العسكرية والأمنية. أما على الصعيد الإقليمي، فإن تدفق مليارات الدولارات يساهم بشكل مباشر في تمويل العمليات العسكرية ودعم الوكلاء في منطقة الشرق الأوسط، مما يهدد بتصعيد التوترات الأمنية. دولياً، تضع هذه الفضيحة منصات تداول العملات المشفرة الكبرى تحت مجهر الحكومات والهيئات التنظيمية العالمية. من المتوقع أن تؤدي هذه الحادثة إلى تسريع وتيرة التشريعات الصارمة ضد منصات التشفير، وفرض رقابة أشد على حركة الأموال الرقمية لمنع استخدامها في غسيل الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة.
رد منصة بينانس على الاتهامات الموجهة
في مواجهة هذه الاتهامات الخطيرة، نقلت الصحيفة عن متحدث باسم منصة تداول العملات المشفرة “بينانس” تأكيده أن المنصة لم تسمح بإجراء أي معاملات تخص أفراداً أو محافظ رقمية خاضعة للعقوبات. وشدد المتحدث في هذا السياق قائلاً: “لقد اتخذنا جميع الإجراءات المناسبة بمجرد فرض العقوبات على إيران”. ومع ذلك، اعتبر محققو الشركة في تقاريرهم الداخلية أن النمط المتبع في إدارة الحسابات يشير بوضوح إلى احتمالية التهرب من العقوبات الأمريكية، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تحقيقات قد تعيد تشكيل مستقبل سوق العملات المشفرة.


