يشهد المشهد السياسي والميداني تعقيدات غير مسبوقة في ظل التصعيد الإسرائيلي في لبنان، حيث تتسارع الجهود الدبلوماسية والعسكرية لمحاولة احتواء الأزمة ومنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة. وفي هذا السياق، تعهد قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون ببذل “المستحيل” لوقف الحرب الدائرة في البلاد، مؤكداً خلال لقائه النائب ميشال ضاهر ووفداً من الاتحادات الزراعية في القصر الرئاسي، أن الإطار التفاوضي الذي وضعه لبنان ثابت ولا يقبل المساومة بأي شكل من الأشكال.
جذور الصراع وتطور التصعيد الإسرائيلي في لبنان
لم يكن هذا الصراع وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التوترات الحدودية والحروب المتقطعة بين الجانبين. فمنذ عقود، يعاني الجنوب اللبناني من تداعيات الصراعات الإقليمية، حيث تتداخل المصالح الدولية مع التوازنات المحلية المعقدة. وقد أدى غياب الحلول السياسية الشاملة والنزاعات المستمرة حول ترسيم الحدود إلى إبقاء المنطقة على صفيح ساخن، مما جعل اندلاع جولات جديدة من العنف أمراً متوقعاً، خاصة مع تصاعد حدة الخطاب السياسي والعسكري في المنطقة.
ثوابت الموقف اللبناني في المفاوضات
حدد عون ثوابت الموقف اللبناني بخمسة محاور رئيسية، مشدداً على أن الإطار التفاوضي يتمثل في: انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، الالتزام بوقف إطلاق النار، انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود، ضمان عودة النازحين إلى قراهم بأمان، وتأمين المساعدات الاقتصادية والمالية للبنان. وأكد بحزم أن أي حديث يخالف هذه الثوابت هو أمر عارٍ عن الصحة تماماً.
وأضاف منطلقاً من مسؤوليته الوطنية: “واجباتي تحتم عليّ أن أقوم بالمستحيل، وبأقل كلفة ممكنة، كي أوقف الحرب على لبنان وشعبه”. وتساءل عن قدرة البلاد على تحمل جولة نزاع جديدة، مذكراً بالتجارب المريرة للحروب السابقة وتكلفتها الباهظة. كما وجه رسالة دعم للمزارعين، داعياً إياهم للتمسك بالأرض وتوريثها للأجيال القادمة، واعداً بالسعي مع المملكة العربية السعودية لفتح أسواقها أمام المنتجات اللبنانية لدعم صمودهم الاقتصادي.
التداعيات الإقليمية والدولية للأزمة الراهنة
يحمل هذا النزاع أبعاداً تتجاوز الساحة المحلية، حيث ينذر بتداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، أدى القصف إلى أزمة نزوح خانقة وتدمير هائل للبنية التحتية. إقليمياً، يهدد استمرار المعارك بتوسيع رقعة الصراع لتشمل أطرافاً أخرى في الشرق الأوسط. أما دولياً، فتثير الأزمة قلق القوى الكبرى التي تخشى من تأثير الفوضى على أمن المنطقة، مما يدفعها لتكثيف وساطاتها الدبلوماسية لتجنب الأسوأ.
محادثات واشنطن ومساعي التهدئة
تأتي هذه التطورات قبل أسابيع من مواعيد حاسمة في العاصمة الأمريكية، حيث يعقد “البنتاغون” اجتماعاً يضم وفوداً عسكرية من لبنان وإسرائيل، تتبعه محادثات سياسية تهدف لإرساء “اتفاق سياسي طويل الأمد”. ورغم إعلان واشنطن تمديد وقف إطلاق النار لـ 45 يوماً إضافياً بعد جولة محادثات مباشرة نادرة، إلا أن حزب الله يرفض هذه المحادثات بشكل قاطع، خاصة وأنها تتطرق إلى مسألة نزع سلاحه، وهو ما يعتبره الحزب خطاً أحمر.
استمرار الغارات وإنذارات الإخلاء تحت النار
ميدانياً، ورغم الحديث عن التهدئة، واصل الجيش الإسرائيلي شن غارات مكثفة استهدفت بلدات عدة مثل زوطر الغربية، حاروف، زبدين، شوكين، كفررمان، وكفردونين، بالإضافة إلى أطراف دير سريان. وتترافق هذه الغارات مع عمليات تدمير واسعة في المناطق الحدودية وإصدار إنذارات إخلاء يومية اتسع نطاقها لتشمل مناطق بعيدة عن الحدود، مما فاقم أزمة النازحين.
في المقابل، أعلن حزب الله استهداف منصة للقبة الحديدية الإسرائيلية في الجليل. وقد أسفرت الغارات الإسرائيلية الأخيرة عن سقوط ضحايا، بينهم قيادي في حركة الجهاد الإسلامي في البقاع. وبذلك، ترتفع الحصيلة الإجمالية للضحايا منذ بدء التصعيد إلى أكثر من 2900 قتيل، سقط أكثر من 400 منهم بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن السلطات اللبنانية.


