
وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي رسمياً على خطة مثيرة للجدل تهدف إلى بناء مجمع دفاعي وعسكري في موقع كان يُستخدم سابقاً كـ مقر أونروا في القدس الشرقية. تأتي هذه الخطوة بعد أن قامت قوات الاحتلال بهدم المباني التابعة للوكالة الأممية في شهر يناير الماضي، إثر الاستيلاء على الموقع خلال العام المنصرم. وقد أثارت هذه الإجراءات تنديداً واسعاً من قبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي اعتبرت مصادرة أراضيها ومبانيها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
تداعيات مصادرة مقر أونروا في القدس على المشهد الإقليمي
إن تحويل مقر أونروا في القدس إلى منشأة عسكرية إسرائيلية لا يمثل مجرد تغيير في المعالم الجغرافية، بل يحمل أبعاداً سياسية وإنسانية عميقة. على الصعيد المحلي، يُضيق هذا القرار الخناق على الخدمات الحيوية التي تقدمها الوكالة لآلاف اللاجئين الفلسطينيين في المدينة المقدسة. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه الخطوة تُنذر بتصعيد التوتر بين إسرائيل والمجتمع الدولي، وتضعف من قدرة المنظمات الأممية على ممارسة مهامها بحيادية وأمان في مناطق النزاع. وبحسب البيان المشترك الصادر عن وزارة الدفاع الإسرائيلية وبلدية القدس، فإن المجمع الجديد سيضم متحفاً عسكرياً، ومقراً للتجنيد، بالإضافة إلى مكتب لوزير الدفاع، مما يعكس توجهاً واضحاً لفرض سياسة الأمر الواقع.
الجذور التاريخية لوكالة الغوث ودورها الإنساني
لفهم خطورة هذه التطورات، يجب النظر إلى السياق التاريخي لتأسيس وكالة “أونروا”. أُنشئت الوكالة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948. منذ ذلك الحين، شكلت الوكالة شريان حياة لملايين الفلسطينيين في قطاع غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان، وسوريا. وتعتبر القدس الشرقية، التي احتلتها إسرائيل عام 1967، إحدى مناطق العمليات الرئيسية للوكالة، حيث توفر التعليم، الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية الأساسية.
السيادة الإسرائيلية والاتهامات الموجهة للوكالة
في تبريره لهذا القرار، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن الخطوة تتعلق بما أسماه “السيادة والصهيونية والأمن”. وأضاف أنه لا يوجد مبرر لإقامة مقر التجنيد الجديد للجيش الإسرائيلي سوى بنائه على أنقاض المجمع السابق للوكالة. وتستند إسرائيل في موقفها إلى اتهامات وجهتها لـ “أونروا”، تزعم فيها أن بعض موظفي الوكالة ينتمون لحركة حماس وشاركوا في هجمات السابع من أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي. ورغم أن الوكالة قامت بفصل عدد من موظفيها كإجراء احترازي، إلا أنها أكدت أن إسرائيل لم تقدم أدلة قاطعة تدعم جميع اتهاماتها. وفي هذا السياق، اتهم المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، السلطات الإسرائيلية بشن “حملة تضليل واسعة النطاق” تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين.
استمرار التصعيد الميداني والأوضاع الإنسانية
بالتوازي مع هذه التطورات السياسية، يستمر التصعيد الميداني في الأراضي الفلسطينية. فقد استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون بجروح متفاوتة جراء قصف إسرائيلي استهدف تجمعاً للمواطنين في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. وتأتي هذه الحوادث في ظل تقارير عن انتهاكات مستمرة لاتفاقيات وقف إطلاق النار. وفي سياق متصل، أفادت مصادر طبية فلسطينية بارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة إلى أرقام مفجعة بلغت 72,763 شهيداً و172,664 جريحاً، أغلبهم من الأطفال والنساء. وتتواصل عمليات انتشال جثامين الضحايا من تحت ركام المنازل والبنايات السكنية المدمرة، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالمنطقة.


