تسببت التطورات الأخيرة في المشهد السياسي العراقي في إحداث زلزال حقيقي داخل أروقة السلطة. فقد أدى عدم منح البرلمان العراقي الثقة لعدد من الوزراء في الحكومة الجديدة إلى تحريك المياه الراكدة داخل التحالف الحاكم، مما ينذر باحتمالية انشطار الإطار التنسيقي وتشكيل تحالفات سياسية جديدة تعكس اتساع فجوة الخلافات الداخلية.
جذور الأزمة السياسية وتأسيس الإطار التنسيقي
لفهم طبيعة الخلافات الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي القريب للمشهد العراقي. تأسس الإطار التنسيقي كتحالف سياسي يجمع القوى الشيعية البارزة في العراق عقب الانتخابات البرلمانية لعام 2021، بهدف توحيد الصفوف ومواجهة التحديات السياسية، خاصة بعد انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية. ورغم نجاح التحالف في التماسك خلال الفترات الماضية وتشكيله الكتلة الأكبر، إلا أن تقاسم المناصب وتوزيع الحقائب الوزارية طالما كان نقطة ضعف كامنة تهدد وحدته، وهو ما تجلى بوضوح في مسار تشكيل الحكومة الحالية.
جلسة منح الثقة وتصاعد الخلافات داخل الإطار التنسيقي
انفجرت الأزمة بشكل علني بعد جلسة برلمانية عقدت مساء الخميس، حيث منح مجلس النواب الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بصورة غير مكتملة. تم التصويت على 14 وزيراً فقط من أصل 23 حقيبة وزارية، بينما بقيت 9 وزارات خارج التشكيلة بسبب استمرار الخلافات العميقة بين القوى السياسية على الأسماء والحصص، وأبرزها وزارات السيادة كالدفاع والداخلية، بالإضافة إلى التعليم العالي والتخطيط.
على إثر ذلك، شرعت 5 قوى بارزة في التمهيد للانشقاق وتشكيل تحالف سياسي جديد. يتزعم هذا الحراك شخصيات وازنة مثل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، ورئيس كتلة سند أحمد الأسدي. جاء هذا التحرك اعتراضاً على عدم تمرير مرشحيهم، وفي مقدمتهم مرشح دولة القانون لوزارة الداخلية قاسم عطا، وسط اتهامات صريحة بسرقة الاستحقاقات واعتماد أساليب الإقصاء والتهميش داخل أروقة التحالف.
التداعيات المحلية والإقليمية لانقسام التحالف الحاكم
يحمل هذا الانقسام أهمية كبرى وتأثيرات متوقعة تتجاوز الشأن المحلي العراقي. على الصعيد الداخلي، يهدد انشطار الإطار التنسيقي استقرار الحكومة الجديدة ويضعف قدرتها على تمرير القوانين الحيوية في البرلمان أو تنفيذ برنامجها الخدمي والأمني. كما أن الخلاف حول الوزارات الأمنية يعكس صراعاً أعمق على النفوذ بين القوى السياسية وتلك القريبة من الفصائل المسلحة، مما قد ينعكس على الاستقرار الأمني في البلاد.
إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى تماسك التحالف الحاكم في العراق كعامل مؤثر في توازن القوى في الشرق الأوسط. أي تصدع في هذا التحالف قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، ويؤثر على شكل العلاقات العراقية مع دول الجوار والمجتمع الدولي، مما يجعل استقرار بغداد السياسي محوراً حيوياً للأمن الإقليمي الشامل.
خريطة التحالفات الجديدة ومستقبل الحكومة
تشير المصادر السياسية إلى أن التحالف الجديد قد يضم ما بين 75 و100 نائب، ومن المرجح أن تنضم إليه قوى أخرى مثل تحالف العزم برئاسة مثنى السامرائي في حال اتسعت التفاهمات. وقد بات التحالف الحاكم منقسماً فعلياً إلى جبهتين: الأولى تضم المالكي والعامري والفياض والأسدي وحمودي، وتطالب باستحقاقاتها السياسية التي ترى أنها سُلبت، والثانية تضم عمار الحكيم ومحمد شياع السوداني وقيس الخزعلي وحيدر العبادي، والتي تدعم الحكومة الحالية وتعتبرها تسوية قابلة للإدارة. هذا الانقسام المزدوج يضع المشهد العراقي أمام سيناريوهات مفتوحة قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية برمتها.


