عادت حاملة الطائرات جيرالد فورد الأمريكية، اليوم السبت، إلى قاعدتها البحرية في ولاية فيرجينيا، لتطوي بذلك صفحة واحدة من أطول وأعقد المهام العسكرية التي استمرت لنحو عام كامل. وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن الاستعدادات تجري على قدم وساق لاستقبال هذه القطعة البحرية الاستراتيجية، حيث يعتزم المسؤولون، وعلى رأسهم بيت هيغسيث، التوجه إلى قاعدة نورفولك البحرية في فيرجينيا. يهدف هذا الاستقبال إلى الترحيب بنحو 4,500 بحار وعائلاتهم، والذين يمثلون طاقم المجموعة الضاربة التي تشمل، إلى جانب الحاملة (CVN 78)، كلاً من المدمرة “بينبريدج” (DDG 96) والمدمرة “ماهان” (DDG 72).
السياق التاريخي لأطول انتشار بحري منذ حرب فيتنام
قضت المجموعة الضاربة ما يقرب من 326 يوماً في عرض البحر، وهو ما يمثل علامة فارقة في التاريخ العسكري الأمريكي الحديث. ووفقاً للبيانات التي جمعها موقع “يو إس إن آي” الإخباري التابع للمعهد البحري الأمريكي، يُعد هذا الانتشار أطول مهمة لحاملة طائرات أمريكية خلال الخمسين عاماً الماضية، وثالث أطول فترة انتشار منذ حقبة حرب فيتنام. في 15 أبريل الماضي، حطمت الحاملة الرقم القياسي السابق الذي كانت تحتفظ به الحاملة “أبراهام لينكون”، والتي استمرت في الإبحار لمدة 295 يوماً خلال عام 2020. يعكس هذا التمديد الاستثنائي حجم التحديات الأمنية العالمية التي استدعت بقاء القوات الأمريكية في حالة تأهب قصوى لفترات غير مسبوقة.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير مهام حاملة الطائرات جيرالد فورد
تتجلى أهمية عودة حاملة الطائرات جيرالد فورد في حجم التأثير الذي أحدثته خلال فترة انتشارها في مناطق النزاع والتوتر. على الصعيد الإقليمي والدولي، لعبت الحاملة دوراً محورياً في استعراض القوة الأمريكية وردع التهديدات المتصاعدة. وقد تزامن وجودها مع أحداث عالمية كبرى، شملت التوترات السياسية والأمنية المتعلقة بفنزويلا مطلع العام الحالي، فضلاً عن التصعيدات العسكرية والتوترات الإسرائيلية الإيرانية في الشرق الأوسط. إن وجود قطعة بحرية بهذا الحجم والتطور التكنولوجي في المياه الدولية يبعث برسائل طمأنة للحلفاء، وفي الوقت ذاته يشكل أداة ضغط قوية على الخصوم، مما يؤكد التزام الولايات المتحدة بحماية مصالحها ومصالح شركائها في الممرات المائية الحيوية.
تحديات قاسية وحوادث غير متوقعة في البحر الأحمر
لم تكن عملية الانتشار المطولة خالية من العقبات والتحديات اللوجستية والأمنية. ففي 12 مارس الماضي، أعلن الأسطول الخامس التابع للقيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية عن اندلاع حريق على متن الحاملة أثناء تأدية مهامها الحساسة في مياه البحر الأحمر، مما أسفر عن إصابة بحارين. وبحسب تقارير نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد واجه أكثر من 600 جندي أمريكي صعوبة في الوصول إلى أسرّتهم بعد أن اجتاحت النيران بعض مقصورات النوم، مما اضطر البحارة حينها للنوم على الأرض والطاولات في أعقاب الحريق الذي استغرق إخماده نحو 30 ساعة متواصلة. علاوة على ذلك، واجهت الحاملة مشكلات تقنية كبيرة في التمديدات الصحية، مما أثر على نحو 650 مرحاضاً على متنها، وهي تحديات تبرز الضغط الهائل الذي تتعرض له البنية التحتية للسفن الحربية خلال المهام الطويلة.
التداعيات المستقبلية على البحرية الأمريكية
إن الدروس المستفادة من هذه الرحلة الطويلة ستشكل بلا شك مرجعاً هاماً للبحرية الأمريكية في تخطيط مهامها المستقبلية. فالتجربة القاسية التي مر بها الطاقم، سواء من حيث طول فترة الابتعاد عن الوطن أو التحديات التقنية وحوادث الحرائق، ستدفع القيادة العسكرية إلى إعادة تقييم برامج الصيانة الدورية وتحديث بروتوكولات السلامة. كما أن نجاح الطاقم في التغلب على هذه الصعاب يعكس مستوى التدريب العالي والقدرة على التكيف مع الظروف الطارئة، مما يعزز من جاهزية الأسطول الأمريكي لمواجهة أي سيناريوهات معقدة في المستقبل.


