تواجه حكومة كير ستارمر في بريطانيا واحدة من أعنف أزماتها السياسية، حيث تهدد استقالة وزيرتين خلال ساعات معدودة تماسك التشكيلة الوزارية. فقد أعلنت وزيرة حماية الطفل، جيس فيليبس، اليوم (الثلاثاء)، استقالتها من منصبها، لتصبح الثانية بعد وزيرة المجتمعات المحلية، مياتا فاهنبوليه، وفقاً لما كشفته صحيفة «الغارديان». تأتي هذه التطورات المتلاحقة لتشكل زلزالاً سياسياً حقيقياً يختبر صلابة القيادة الحالية لحزب العمال.
السياق التاريخي والتحديات أمام حكومة كير ستارمر
لفهم حجم الأزمة الحالية التي تعصف بـ حكومة كير ستارمر، يجب النظر إلى السياق التاريخي لحزب العمال البريطاني. منذ تولي ستارمر قيادة الحزب، عمل بجهد لإعادة هيكلة سياساته وكسب ثقة الناخبين مجدداً بعد فترات من التخبط. تاريخياً، تُعد الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة بمثابة استفتاء شعبي غير رسمي على أداء الحكومة المركزية، وأي تراجع كبير فيها يعكس عادة استياءً عاماً من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.
لقد جاءت هذه الهزيمة الانتخابية في وقت حساس، حيث يعاني الشارع البريطاني من تحديات هيكلية متراكمة، أبرزها أزمة تكلفة المعيشة والتضخم. هذه العوامل التاريخية والاقتصادية جعلت من نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة بمثابة جرس إنذار مبكر، مما أدى إلى تصدع الجبهة الداخلية للحزب الحاكم وظهور أصوات معارضة تطالب بتغيير جذري في هرم القيادة لتجنب خسائر مستقبلية أعمق.
تفاصيل الاستقالات والضغط الداخلي المتصاعد
في تفاصيل المشهد المتأزم، استقالت جيس فيليبس بعد ظهر الثلاثاء، عقب إبلاغ ستارمر مجلس وزرائه بأنه «لن يتنحى من منصبه»، رغم تصاعد ردود الفعل الغاضبة من داخل حزب العمال. وكتبت فيليبس، التي تُعد أرفع مسؤول حكومي يستقيل حتى الآن، في رسالتها إلى رئيس الوزراء أن «ستارمر رجل طيب في جوهره، لكن هذا لا يكفي». وأضافت أنها «لم تعد قادرة على الاستمرار في منصبها الوزاري في ظل القيادة الحالية»، بحسب ما أوردته صحيفة «التلغراف».
سبقت هذه الخطوة استقالة مياتا فاهنبوليه، التي كانت الأولى التي تغادر منصبها في الحكومة البريطانية. وجاءت استقالتها في وقت امتنع فيه أحد أقرب مساعدي ستارمر عن الإفصاح عما إذا كان سيقود حزب «العمال» في الانتخابات القادمة، وسط تزايد المطالبات باستقالته. وصرحت فاهنبوليه بأنها «ستحث رئيس الوزراء على اتخاذ القرار الصائب لمصلحة البلاد والحزب، ووضع جدول زمني لانتقال سلس للسلطة». ورغم ذلك، تحدى رئيس الوزراء المعارضين صباح الثلاثاء، وقال في اجتماع لمجلس الوزراء إن «لحزب العمال آلية لتحدي القائد، ولم يتم تفعيلها بعد»، مؤكداً تحمله مسؤولية النتائج وضرورة الاستمرار في الحكم.
تداعيات الأزمة وتأثيرها المحلي والدولي
يبدو أن قبضة رئيس الوزراء على السلطة بدأت تضعف بشكل ملحوظ. فقد دعا أكثر من 70 نائباً من حزب العمال علناً إلى تنحيه. وتأتي هذه الضغوط بعد أن خسر الحزب الحاكم نحو 1500 مقعد في الانتخابات المحلية، فضلاً عن فقدان السيطرة على 40 مجلساً محلياً. هذا التراجع الحاد يفرض تداعيات محلية خطيرة، حيث يجد ستارمر نفسه مضطراً لتبني برنامج أكثر جرأة يتضمن التركيز على تكاليف المعيشة والأمن القومي.
على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن عدم الاستقرار في المشهد السياسي البريطاني يبعث برسائل قلق للأسواق المالية والشركاء الأوروبيين. بريطانيا تتأثر سياساتها الخارجية والتجارية بمدى استقرار حكومتها. علاوة على ذلك، فإن الانتصارات الواسعة التي حققها نايجل فاراج، الذي قاد سابقاً حملة «بريكست»، وحزبه الشعبوي الإصلاح «ريفورم» على مستوى البلاد، تزيد من تعقيد المشهد. هذا الصعود لليمين قد يدفع السياسة البريطانية نحو مسارات جديدة تؤثر على علاقات لندن الدولية، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مستقبل البلاد.


