تصاعد التوترات وتراجع الشعبية
تواجه قيادة رئيس الوزراء كير ستارمر تحديات غير مسبوقة، حيث تتصاعد حدة التوترات داخل حزب العمال البريطاني الحاكم في أعقاب النتائج المخيبة للآمال في الانتخابات المحلية الأخيرة في إنجلترا. فقد تكبد الحزب خسارة فادحة بلغت أكثر من 1,400 مقعد، في وقت يشهد فيه المشهد السياسي صعوداً ملحوظاً لحزب “الإصلاح” اليميني بقيادة نايجل فاراج. ولم تقتصر الخسائر على إنجلترا فحسب، بل امتدت لتشمل مواقع استراتيجية ومهمة في كل من ويلز والعاصمة لندن، مما أعاد فتح باب النقاش واسعاً حول المستقبل السياسي لستارمر، رغم الانتصار التاريخي الذي حققه في الانتخابات العامة لعام 2024.
السياق التاريخي: من فوز ساحق إلى تراجع مقلق
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى التحولات السريعة في السياسة البريطانية. ففي يوليو 2024، نجح الحزب في إنهاء 14 عاماً من حكم حزب المحافظين عبر فوز ساحق منحه أغلبية برلمانية مريحة. كان هذا الفوز تتويجاً لجهود ستارمر في إعادة الحزب إلى تيار الوسط بعد فترة قيادة جيريمي كوربين اليسارية. ومع ذلك، فإن شهر العسل السياسي لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما واجهت الحكومة تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، فضلاً عن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) التي لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد، مما أدى إلى تآكل سريع في شعبية الحزب الحاكم وتزايد حالة عدم الرضا بين الناخبين.
التداعيات السياسية والاقتصادية للأزمة
لا تقتصر أهمية هذا التراجع على الشأن الحزبي الداخلي، بل تمتد لتشمل تأثيرات واسعة النطاق على المستويين المحلي والدولي. محلياً، أدت حالة عدم اليقين السياسي إلى اهتزاز ثقة الأسواق المالية، وهو ما انعكس بوضوح في ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة البريطانية نتيجة المخاوف السياسية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن الحلفاء الغربيين يراقبون عن كثب استقرار الحكومة البريطانية، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، يستعد ستارمر لإلقاء خطاب مفصلي يهدف إلى إعادة ترتيب أولويات حكومته، وطمأنة الأسواق المالية، واستعادة ثقة الناخبين التي تضررت بشدة.
صراع الأجنحة داخل حزب العمال البريطاني: من يخلف ستارمر؟
وفقاً لتقارير نشرتها وكالة بلومبيرغ، يسود اعتقاد بين عدد كبير من نواب ومساعدي الحزب أن ستارمر قد ينجو من أي تمرد فوري، لكن الشكوك تحوم بقوة حول قدرته على قيادة الحزب نحو الفوز في انتخابات 2029. في هذا السياق، برز اسم آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى، كأحد أبرز البدائل المحتملة. ويقود تيار “اليسار المعتدل” داخل الحزب تحركات هادئة وغير معلنة لتهيئة انتقال منظم للسلطة خلال العام المقبل. تعتمد هذه الخطة على تمكين بيرنهام من دخول البرلمان أولاً، ثم الترشح لزعامة الحزب، لتجنب مواجهة علنية ومباشرة مع ستارمر. وقد حظي هذا التوجه بدعم عدد من النواب البارزين، مثل لويز هايغ، وسط تسريبات عن تأييد ضمني من وزير الطاقة إد ميليباند، استناداً إلى قناعة بأن بيرنهام يمتلك الكاريزما اللازمة لوقف زحف اليمين واستعادة شعبية الحزب.
عقبات التغيير ومخاوف عودة اليمين
رغم هذه التحركات، يواجه سيناريو التغيير الهادئ عقبات كبرى. فهناك رفض واسع داخل أروقة الحزب لفكرة تنصيب بيرنهام زعيماً دون المرور بانتخابات داخلية شفافة ومفتوحة. وإذا ما فُتح باب السباق القيادي، فمن المتوقع أن يشهد منافسة شرسة من شخصيات وازنة مثل وزير الصحة ويس ستريتينج، ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر. من جانبهم، يقلل حلفاء ستارمر من أهمية هذه التحركات، معتبرين أن الحديث عن “انتقال منظم” ليس سوى دليل على ضعف الخصوم وعدم امتلاكهم الدعم البرلماني الكافي للإطاحة به حالياً. وفي النهاية، يجد نواب الحزب أنفسهم أمام معضلة قاسية: إما الإبقاء على زعيم تتهاوى شعبيته بشكل غير مسبوق، أو المخاطرة بالدخول في صراع داخلي مفتوح قد يمزق الحزب ويزيد من قوة اليمين المتشدد بقيادة نايجل فاراج.


