كشف تقرير حديث صادر عن “معهد العلوم والأمن الدولي” ومقره واشنطن، عن تطورات استراتيجية بالغة الأهمية تتعلق بمدى تراجع قدرة إيران على تصنيع سلاح نووي في الوقت الراهن. وأوضح المعهد غير الحكومي أن هذا التراجع الملحوظ جاء نتيجة لتعرض البنية التحتية النووية الإيرانية لضربات قاصمة، أبرزها التدمير الكامل لموقع “طالقان 2” النووي، والذي كان مخصصاً لصنع مفجر قلب القنبلة النووية. وعلى الرغم من التكتم الرسمي من قبل طهران حول حجم الخسائر العسكرية الدقيقة التي طالت منشآتها، إلا أن المعطيات تؤكد حدوث شلل كبير في مساعيها النووية.
تفاصيل الأضرار التي لحقت بمنشآت طهران النووية
أشار التقرير إلى أن الأضرار لم تقتصر على موقع “طالقان 2″، بل امتدت لتشمل إلحاق أضرار بالغة بمنشأة “أراك” للماء الثقيل، وهي إحدى الركائز الأساسية في البرنامج الإيراني. بالإضافة إلى ذلك، تم تدمير مداخل مخازن اليورانيوم الحساسة في منشأتي “نطنز” و”أصفهان”. وفيما يتعلق باليورانيوم عالي التخصيب، أكد خبراء المعهد أنه من الصعوبة بمكان نقله من هذه المواقع المتضررة دون أن يتم رصده من قبل وكالات الاستخبارات والأقمار الصناعية. من جانبه، صرح رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن التقديرات تشير إلى أن اليورانيوم الإيراني يتركز بشكل رئيسي في نفق تحت الأرض داخل المجمّع النووي في أصفهان ومستودع محصن في نطنز، وهي المواقع التي استهدفتها الضربات الأمريكية الإسرائيلية في الفترات الماضية.
السياق التاريخي ومساعي تصنيع سلاح نووي
لفهم أبعاد هذا التراجع، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للبرنامج النووي الإيراني. منذ عقود، أثار هذا البرنامج قلقاً دولياً واسعاً، حيث مرت العلاقات بين طهران والمجتمع الدولي بمحطات من التصعيد والمفاوضات، أبرزها الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحبت منه واشنطن لاحقاً. قبل اندلاع موجة الصراع الأخيرة في أواخر فبراير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كانت التقديرات الاستخباراتية تشير إلى امتلاك طهران أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، ونحو 200 كيلوغرام من المواد الانشطارية المخصبة بنسبة 20%. هذه الكميات كانت تعتبر خطيرة للغاية، إذ أنها قابلة للتحويل بسهولة إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وهي النسبة المطلوبة عسكرياً من أجل تصنيع سلاح نووي.
التداعيات الإقليمية والدولية للضربات الأخيرة
يحمل هذا الحدث أهمية استراتيجية كبرى وتأثيراً متوقعاً يمتد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، يساهم تحجيم القدرات النووية الإيرانية في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، مما قد يخفف من حدة السباق نحو التسلح النووي في المنطقة. أما دولياً، فإن هذه التطورات تعزز من موقف الولايات المتحدة وحلفائها في فرض شروط أكثر صرامة في أي مفاوضات مستقبلية. وتأتي هذه التقديرات في وقت حساس للغاية، حيث يترقب المجتمع الدولي رد طهران على المقترحات الأمريكية الرامية لإنهاء حالة الحرب، وسط تصاعد ملحوظ في التوتر وتبادل إطلاق النار بين الأطراف المعنية.
الموقف الأمريكي الحازم تجاه الانتشار النووي
في ظل هذه التطورات الميدانية والسياسية، شددت الإدارة الأمريكية في واشنطن مراراً وتكراراً خلال الفترة الماضية على موقفها الثابت والرافض تماماً للسماح للنظام الإيراني بامتلاك أسلحة دمار شامل. وأكدت واشنطن أنها لن تتهاون في منع طهران من الوصول إلى العتبة النووية أو حتى الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بمستويات تقترب من الاستخدام العسكري. في المقابل، حاولت طهران المناورة دبلوماسياً عبر عرض تجميد عمليات التخصيب لعدة سنوات كبادرة حسن نية، ولكن مع التمسك الصارم بما تعتبره حقها السيادي في التخصيب بشكل مطلق، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة في مستقبل أزمة الانتشار النووي في الشرق الأوسط.


