في خطوة تعكس تصاعد التوتر الاقتصادي والسياسي بين بكين وواشنطن، أصدرت الصين توجيهات مباشرة إلى مصافي التكرير المحلية المستوردة للخام بعدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، مما يمنح النفط الإيراني ضوءاً أخضر للتدفق إلى الأسواق الصينية. يأتي هذا التطور البارز قبيل الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الصينية بكين، مما يضفي أبعاداً استراتيجية جديدة على العلاقات الثنائية بين البلدين في ظل الضغوط الغربية المستمرة.
الخلفية التاريخية لأزمة النفط الإيراني والعقوبات الأمريكية
تعود جذور هذه الأزمة إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، وإعادة فرضها حزمة قاسية من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت بشكل رئيسي قطاع الطاقة. منذ ذلك الحين، سعت واشنطن إلى تصفير صادرات النفط الإيراني لحرمان طهران من إيراداتها الحيوية. ومع ذلك، وجدت إيران في الصين شريكاً استراتيجياً ومشترياً رئيسياً لخامها، حيث تعتمد المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم “أباريق الشاي”، بشكل كبير على هذا النفط نظراً لأسعاره التنافسية. وفي هذا السياق، فعّلت وزارة التجارة الصينية، لأول مرة منذ إقراره عام 2021، قانوناً يهدف إلى حماية الشركات والمصالح الصينية من القوانين والإجراءات الأجنبية، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي لمواجهة ما وصفتها بـ”الولاية القضائية الممتدة” التي تمارسها الولايات المتحدة خارج حدودها، وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”.
تصعيد أمريكي وضغوط على مصافي التكرير الصينية
في المقابل، تواصل واشنطن ضغطها على المصافي الصينية. فقد كثفت وزارة الخزانة الأمريكية جهودها لتضييق الخناق على مصافي التكرير المستقلة الصغيرة في الصين، بسبب استمرارها في شراء الخام الإيراني رغم العقوبات. وفرضت واشنطن عقوبات على خمس مصافٍ صينية، كان أحدثها في أواخر شهر أبريل الماضي، مستهدفة شركة “هنجلي للبتروكيماويات” التي تُعد من أكبر المشترين للخام الإيراني، وذلك بعدما اشترت نفطاً بمليارات الدولارات خلال الفترة الماضية. وفي تصعيد جديد، اعتبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن استمرار الصين في شراء الخام من طهران يمثل “دعماً للإرهاب”، داعياً بكين إلى لعب دور دبلوماسي أكبر للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وأشار بيسنت إلى أن المضيق، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية لنقل النفط والغاز، لا يزال متأثراً بتداعيات الصراعات الإقليمية، مما تسبب في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة العالمية.
التأثيرات الإقليمية والدولية للتقارب الصيني الإيراني
يحمل هذا التحدي الصيني للعقوبات أهمية كبرى وتأثيرات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يضمن هذا القرار استقرار إمدادات الطاقة للمصانع الصينية بأسعار مخفضة، مما يدعم النمو الاقتصادي في بكين. إقليمياً، يعزز هذا الموقف من صمود الاقتصاد الإيراني في مواجهة العزلة الغربية، ويمنح طهران أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار تدفق الخام الإيراني إلى الصين يضعف من فعالية سلاح العقوبات الأمريكي، ويؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية في سوق الطاقة العالمي.
لقاءات حاسمة قبل القمة المرتقبة في بكين
تتزامن هذه التطورات مع حراك دبلوماسي مكثف، حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره الصيني وانغ يي في بكين، في أول اجتماع رفيع المستوى بين البلدين منذ اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط. وتأتي زيارة عراقجي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تسبق بأسبوع واحد فقط القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين. وسط هذا المشهد المعقد، يترقب المجتمع الدولي مستقبل المواجهة الاقتصادية والسياسية بين أكبر قوتين في العالم، وانعكاسات هذه القمة المنتظرة على أسواق الطاقة العالمية، وكيفية التعامل مع الملف الإيراني الشائك في ظل التوازنات الدولية الجديدة.


