في إطار الجهود الإنسانية والتنموية المستمرة التي تقودها المملكة العربية السعودية لدعم قطاع الخدمات وتحسين البنية التحتية في المحافظات اليمنية، تم وضع حجر الأساس لتنفيذ مشروع المياه في مأرب، والذي يهدف إلى تعزيز الأمن المائي باستخدام الطاقة المتجددة. قام وكيل محافظة مأرب، الدكتور عبدربه مفتاح، يوم الإثنين، بوضع حجر الأساس لهذا المشروع الحيوي، وذلك برعاية كريمة من عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ مأرب اللواء سلطان العرادة. يأتي هذا الإنجاز بدعم سخي ومشترك من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ مباشر من مؤسسة صلة للتنمية، ليمثل نقلة نوعية في معالجة شح المياه وتوفير مصادر مستدامة ونظيفة للمواطنين.
جذور الأزمة المائية والتحديات الديموغرافية في اليمن
تاريخياً، يُصنف اليمن كواحد من أكثر دول العالم معاناة من الفقر المائي، حيث تتراجع حصة الفرد من المياه النقية بشكل مستمر نتيجة الاستنزاف الجائر للأحواض المائية والتغيرات المناخية. وقد تفاقمت هذه الأزمة بشكل غير مسبوق خلال العقد الأخير بسبب الصراع الدائر، الذي أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الأساسية. وفي هذا السياق، تبرز محافظة مأرب كحالة استثنائية؛ فقد استقبلت المحافظة مئات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق النزاع، مما أدى إلى تضاعف عدد سكانها مرات عدة في فترة زمنية قصيرة. هذا الانفجار الديموغرافي شكل ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المحدودة، وجعل من توفير مياه الشرب الآمنة تحدياً يومياً يهدد الاستقرار الصحي والاجتماعي للسكان والنازحين على حد سواء.
تفاصيل مشروع المياه في مأرب وأبعاده التقنية
لمواجهة هذه التحديات المعقدة، جاء تصميم مشروع المياه في مأرب ليكون حلاً استراتيجياً ومستداماً. يستهدف المشروع الحيوي تعزيز مصادر المياه في مديريات رئيسية تشمل (المدينة، الوادي، وحريب). وتتضمن الخطة الهندسية حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً ارتوازياً، وتزويدها بأنظمة الطاقة الشمسية الحديثة لضمان استمرارية الضخ دون الاعتماد على الوقود المكلف والنادر. إضافة إلى ذلك، يشمل العمل إنشاء 7 خزانات برجية بسعات متفاوتة لرفع كفاءة التخزين المائي، وتنفيذ شبكات توزيع استراتيجية مصممة لتخدم أكثر من 368 ألف مستفيد بشكل مباشر. وأوضح المدير التنفيذي لمؤسسة صلة للتنمية، علي حسن باشماخ، أن المشروع يعتمد أرقى المعايير الفنية العالمية لضمان ديمومة الخدمة، مشيراً إلى أن التحول نحو الطاقة المتجددة يمثل حلاً ذكياً لمواجهة تحديات الطاقة وضمان وصول المياه بسلاسة.
الأثر التنموي والشراكة الدولية لتعزيز الاستقرار
يحمل هذا المشروع أبعاداً تتجاوز مجرد توفير المياه، حيث يمتد تأثيره المتوقع ليشمل مستويات محلية وإقليمية ودولية. على المستوى المحلي، سيساهم المشروع في تحسين الصحة العامة عبر الحد من الأمراض المنقولة بواسطة المياه الملوثة، وتخفيف العبء الاقتصادي والجهد البدني عن كاهل الأسر، وخاصة النساء والأطفال الذين يتكبدون عناء جلب المياه. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن الشراكة بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والاتحاد الأوروبي تقدم نموذجاً دولياً رائداً في الانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة التنمية المستدامة والتعافي الاقتصادي. وقد أشاد الدكتور عبدربه مفتاح بالدور الريادي للمملكة العربية السعودية، مثمناً هذه الشراكة الاستراتيجية ومؤكداً التزام السلطة المحلية بتقديم كافة التسهيلات لضمان إنجاز العمل وفق الجداول الزمنية المحددة.
بصمات إعمار اليمن في قطاع المياه
يُذكر أن هذا الإنجاز ليس معزولاً، بل يأتي ضمن منظومة متكاملة من المبادرات التنموية التي ينفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. فقد بلغت مشاريع قطاع المياه وحده 61 مشروعاً ومبادرة موزعة على 14 محافظة يمنية. وتندرج هذه الجهود ضمن إجمالي 287 مشروعاً ومبادرة أطلقها البرنامج في 8 قطاعات حيوية شملت التعليم، الصحة، الطاقة، النقل، الزراعة، والثروة السمكية. تهدف هذه الحزمة الشاملة من المشاريع إلى دعم قدرات الحكومة اليمنية، استعادة الخدمات الأساسية، وتحسين المعيشة اليومية للسكان، مما يمهد الطريق نحو استقرار شامل ومستدام في كافة أرجاء اليمن.


