أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تصاعد مقلق في حالات الكوليرا في اليمن، حيث تم تسجيل 3,177 إصابة مشتبه بها وثلاث وفيات مرتبطة بالمرض خلال الربع الأول من العام الحالي. هذا الرقم الصادم يضع اليمن في المرتبة الخامسة عالمياً ضمن الدول الأكثر تضرراً من تفشي الوباء، مما يعيد إلى الأذهان المخاوف من تكرار سيناريوهات كوارث صحية سابقة شهدتها البلاد.
وفقاً للتقرير الأخير الصادر عن المنظمة بشأن التحديث الوبائي العالمي، تم الإبلاغ عن هذه الحالات في الفترة الممتدة بين 1 يناير و29 مارس من هذا العام. وتأتي اليمن في هذا الترتيب العالمي بعد كل من الكونغو الديمقراطية (18,992 حالة)، وأفغانستان (18,943 حالة)، وموزمبيق (6,584 حالة)، وجنوب السودان (4,390 حالة)، مما يسلط الضوء على حجم الأزمة الصحية التي تواجهها البلاد في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد.
جذور المأساة: كيف مهد الصراع لعودة الكوليرا؟
لا يمكن فصل عودة تفشي وباء الكوليرا عن السياق العام الذي يعيشه اليمن منذ سنوات. فالصراع الدائر قد أدى إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية الأساسية، وعلى رأسها شبكات المياه والصرف الصحي، مما خلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة. لقد شهد اليمن في عام 2017 أحد أسوأ موجات تفشي الكوليرا في التاريخ الحديث، حيث أصيب أكثر من مليون شخص، وهو ما يمثل جرس إنذار دائم من أن البنية الصحية والخدمية في البلاد لا تزال هشة للغاية وعرضة للانهيار أمام أي تحدٍ جديد.
إن تلوث مصادر مياه الشرب، وصعوبة الحصول على مياه نظيفة، إلى جانب تدهور خدمات جمع النفايات، كلها عوامل تساهم بشكل مباشر في زيادة معدلات الإصابة. ويعيش ملايين اليمنيين اليوم دون وصول آمن ومستمر إلى المياه الصالحة للشرب، مما يجبرهم على الاعتماد على مصادر غير موثوقة تزيد من خطر الإصابة بالكوليرا والإسهال المائي الحاد.
تداعيات خطيرة على نظام صحي منهار
يمثل هذا التفشي الجديد ضغطاً هائلاً على القطاع الصحي المنهك بالفعل، والذي يعاني من نقص حاد في الموارد والأدوية والكوادر الطبية. وتزيد هذه الأزمة من معاناة السكان، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء وكبار السن، الذين يعانون أصلاً من سوء التغذية الذي يضعف مناعتهم ويجعلهم أكثر عرضة لمضاعفات المرض الخطيرة. وأشار تقرير المنظمة إلى أن اليمن سجلت ثاني أعلى معدل إصابات ووفيات في إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان، حيث بلغ إجمالي الحالات في الإقليم 24,009 إصابة و9 وفيات منذ بداية العام.
وتتطلب مواجهة هذا التحدي استجابة دولية عاجلة لدعم الجهود المحلية، وتوفير اللقاحات، ومستلزمات النظافة، وأدوية معالجة الجفاف، بالإضافة إلى العمل على إصلاح البنية التحتية للمياه والصرف الصحي كحل مستدام لمنع تكرار هذه المأساة الإنسانية التي تهدد حياة الملايين.


