في تحول قضائي وسياسي لافت، يعود قاضي دمشق فخر الدين العريان إلى واجهة المشهد السوري من بوابة القضاء الرسمي، لكن هذه المرة ليس كمتهم محكوم بالإعدام، بل كرئيس لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق. هذه العودة الدراماتيكية، بعد سنوات من الانشقاق والعمل ضمن الهيئات القضائية للمعارضة، تختزل واحدة من أكثر قصص العدالة السورية تعقيداً، وتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة حول مسارات المصالحة، والعدالة الانتقالية، ومستقبل المؤسسة القضائية في بلد مزقته سنوات الحرب الطويلة.
انقسام القضاء السوري: سنوات من التجاذبات والولاءات
لفهم أهمية عودة القاضي العريان، لا بد من العودة إلى سياق الأحداث التي عصفت بسوريا منذ عام 2011. مع تحول الاحتجاجات السلمية إلى نزاع مسلح، شهدت مؤسسات الدولة السورية، بما فيها السلطة القضائية، حالة من الاستقطاب والانقسام الحاد. تعرض القضاة لضغوط هائلة بين ولائهم للدولة وواجبهم المهني والأخلاقي. وفي خضم هذا المشهد، اختار عدد من القضاة، ومن بينهم فخر الدين العريان، الانشقاق عن النظام، معلنين رفضهم للمقاربة الأمنية والعسكرية التي تم تبنيها، ومحاولين تأسيس هياكل قضائية بديلة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة آنذاك. شكلت هذه الانشقاقات ضربة رمزية للنظام، حيث أظهرت وجود تصدعات داخل إحدى أهم ركائز الدولة.
رحلة القاضي العريان: من الانشقاق إلى حكم الإعدام
ينحدر القاضي فخر الدين العريان من بلدة سلقين بريف إدلب، وتدرج في السلك القضائي بعد دراسته للحقوق في جامعة حلب، ليصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب. في عام 2013، اتخذ قراره بالانشقاق، لينضم إلى جهود تشكيل منظومة عدلية في مناطق المعارضة. لم يمر هذا القرار دون عواقب وخيمة؛ حيث سارعت السلطات في دمشق إلى محاكمته غيابياً بتهم شملت “الإرهاب” و”الخيانة”، وصدر بحقه حكم بالإعدام، بالإضافة إلى قرار بمصادرة جميع ممتلكاته. خلال سنوات النزاع، عمل العريان على توثيق الانتهاكات وإدارة ملفات قضائية معقدة، مستفيداً من خبرته الطويلة في بنية القانون السوري، وهو ما جعله شخصية قضائية معروفة على طرفي خطوط التماس.
عودة قاضي دمشق فخر الدين العريان: رسائل المصالحة أم إعادة ترتيب الأوراق؟
مع تغير موازين القوى العسكرية والسياسية، صدرت قرارات أعادت عدداً من القضاة المنشقين إلى وظائفهم، في خطوة بدت وكأنها محاولة لإعادة ترتيب المشهد القضائي. وفي مطلع عام 2024، تم تعيين قاضي دمشق فخر الدين العريان رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة، وهي محكمة تنظر في ملفات حساسة أمنياً. المفارقة الأكبر تمثلت في أن أولى جلساته شهدت ترؤسه لمحاكمة مسؤولين سابقين في النظام بتهم تتعلق بالفساد وقضايا أمنية. يثير هذا التعيين تحليلات متباينة؛ فيراه البعض رسالة سياسية تهدف إلى إظهار مرونة الدولة واستعدادها لدمج شخصيات كانت معارضة لها، بينما يرى آخرون أنها خطوة прагматية للاستفادة من خبرات قضائية نادرة في مرحلة تتطلب إعادة بناء المؤسسات. في كلتا الحالتين، يمثل مسار العريان نموذجاً فريداً لتحول الأدوار داخل الدولة السورية، ويضع القضاء أمام اختبار حقيقي في التعامل مع إرث المرحلة السابقة.


