أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نجاح قواتها، بالتعاون الوثيق مع الجيش المالي، في إحباط محاولة انقلاب في مالي كانت تهدف إلى الإطاحة بالسلطة الحاكمة. جاء هذا الإعلان ليكشف عن عملية عسكرية واسعة النطاق شملت هجمات منسقة شنها أكثر من 12 ألف مسلح على العاصمة باماكو ومناطق حيوية أخرى، مما يسلط الضوء مجدداً على الوضع الأمني الهش في البلاد والنفوذ الروسي المتزايد في منطقة الساحل الأفريقي.
ووفقاً للبيان الصادر عن الدفاع الروسية، فإن المهاجمين، الذين وصفتهم بأنهم تلقوا تدريبات على أيدي مرتزقة ومدربين أوكرانيين وأوروبيين، حاولوا السيطرة على منشآت حيوية في باماكو، بما في ذلك القصر الرئاسي. وأشار البيان إلى أن المسلحين استخدموا أسلحة غربية متطورة، من بينها صواريخ محمولة على الكتف من طراز “ستينغر” و”ميسترال”، في محاولة لتحقيق أهدافهم.
خلفيات التوتر: مالي على صفيح ساخن
تأتي هذه المحاولة الانقلابية في سياق من عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تعيشه مالي منذ سنوات. فقد شهدت البلاد انقلابين عسكريين في أغسطس 2020 ومايو 2021، أوصلا المجلس العسكري الحالي إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين، اتخذت الحكومة الانتقالية في باماكو خطوات حاسمة لإعادة تشكيل تحالفاتها الدولية، حيث قامت بإنهاء التعاون العسكري مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة والحليف الأمني التقليدي، واتجهت بشكل متزايد نحو روسيا لتعزيز قدراتها العسكرية ومكافحة الجماعات المسلحة التي تسيطر على مساحات واسعة في شمال ووسط البلاد. هذا التحول الاستراتيجي أدى إلى وصول مدربين عسكريين روس، يُعتقد أنهم مرتبطون بـ”الفيلق الأفريقي” (مجموعة فاغنر سابقاً)، لتقديم الدعم اللوجستي والعملياتي للجيش المالي.
تفاصيل العملية ودور روسي حاسم في إحباط انقلاب في مالي
أسفرت المواجهات العنيفة عن مقتل وزير الدفاع المالي في تفجير سيارة مفخخة استهدفت مقر إقامته، في تصعيد خطير يعكس شراسة الهجوم. ورغم الخسارة الفادحة، تمكنت القوات الحكومية المالية، بدعم جوي وبري روسي مكثف، من صد الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين. وأوضحت وزارة الدفاع الروسية أن الدعم الجوي كان حاسماً، حيث نفذت مروحيات Mi-8 وMi-24 الهجومية 21 طلعة جوية، بينما شنت طائرات Su-24 الهجومية 8 ضربات دقيقة على تجمعات المسلحين. وأسفرت العمليات المشتركة عن مقتل أكثر من 175 مسلحاً وتدمير كميات كبيرة من العتاد العسكري، شملت 23 عربة و33 دراجة نارية ومدرعتين وسيارة مفخخة، مما أجهض المحاولة الانقلابية بشكل كامل وأعاد السيطرة للقوات الحكومية.
الأبعاد الاستراتيجية وتأثيرها الإقليمي
يمثل إحباط هذا الهجوم الواسع نصراً استراتيجياً مهماً للمجلس العسكري الحاكم في مالي ولروسيا على حد سواء. فهو لا يعزز فقط شرعية الحكومة الانتقالية داخلياً، بل يرسخ أيضاً صورة روسيا كحليف أمني موثوق وقادر على حماية الأنظمة الصديقة في أفريقيا. وعلى الصعيد الإقليمي، يبعث هذا الحدث برسالة قوية إلى دول الجوار في منطقة الساحل، مثل بوركينا فاسو والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلابات عسكرية وتقارباً مع موسكو. ويُنظر إلى هذا التدخل الناجح على أنه جزء من تنافس جيوسياسي أوسع في القارة الأفريقية، حيث تسعى روسيا لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الغربي، وتقديم نفسها كبديل أمني واقتصادي فعال.


