في تصريح يعكس حدة الصراع الاستخباراتي في الشرق الأوسط، كشف رئيس الموساد الإسرائيلي، ديفيد برنياع، أن عمليات جهازه نجحت في اختراق العمق الاستراتيجي لإيران ولبنان، وتمكنت من الحصول على “معلومات قيمة”. جاءت تصريحات برنياع لتؤكد على تحول جذري في استراتيجية الموساد، من جهاز يركز على جمع المعلومات بين الحروب إلى منظمة هجومية فاعلة تعمل في قلب ما تصفه إسرائيل بـ”دول الأهداف”.
حرب الظل: صراع استخباراتي ممتد
تمثل تصريحات برنياع أحدث فصول “حرب الظل” الممتدة منذ عقود بين إسرائيل وإيران. هذا الصراع غير المعلن يُدار عبر عمليات سرية وهجمات سيبرانية واغتيالات مستهدفة، ويهدف في المقام الأول إلى كبح جماح البرنامج النووي الإيراني وتقويض نفوذ طهران الإقليمي عبر وكلائها، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان. تاريخياً، نُسبت للموساد عمليات نوعية، مثل سرقة الأرشيف النووي الإيراني من طهران عام 2018، واغتيال علماء نوويين بارزين، بالإضافة إلى هجمات سيبرانية معقدة استهدفت منشآت حيوية. هذه العمليات لا تهدف فقط إلى إلحاق ضرر مادي، بل إلى بث رسائل ردع وإثارة الشكوك داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية.
تأثير الاختراقات على موازين القوى
تكمن أهمية هذه الاختراقات الاستخباراتية في تأثيرها المباشر على موازين القوى في المنطقة. الحصول على “معلومات قيمة” من داخل إيران ولبنان يمنح إسرائيل تفوقاً تكتيكياً واستراتيجياً، حيث يمكن استخدام هذه المعلومات لإحباط هجمات محتملة، وتحديد مواقع تخزين الأسلحة الدقيقة، وتتبع تحركات قادة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. وقد تجلى هذا التفوق مؤخراً في سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قادة كبار في كلا التنظيمين، وهي عمليات تتطلب معلومات استخباراتية دقيقة وفورية. على الصعيد الدولي، تعزز هذه القدرات موقف إسرائيل في محادثاتها مع حلفائها الغربيين بشأن التهديد الإيراني، حيث تقدم دليلاً ملموساً على نوايا وقدرات خصومها.
رئيس الموساد الإسرائيلي وتحول العقيدة العملياتية
أشار برنياع، الذي تولى منصبه في يونيو 2021، إلى أن الموساد شهد تطوراً في بنيته وقدراته خلال السنوات الأخيرة. وأوضح أن هذا التحول لم يقتصر على تبني تقنيات متقدمة فحسب، بل شمل أيضاً إنشاء وحدات متخصصة جديدة قادرة على تنفيذ عمليات جريئة وغير مسبوقة. وأكد على أهمية الحفاظ على العنصر البشري كركيزة أساسية لتنفيذ المهام المعقدة، مشيراً إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. هذا التحول يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن التهديدات أصبحت أكثر تعقيداً وتتطلب نهجاً استباقياً وهجومياً بدلاً من الاكتفاء بالدفاع وجمع المعلومات، وهو ما يفسر تكثيف العمليات المنسوبة للجهاز في السنوات الأخيرة.


