في تصعيد خطير للاتهامات، وصفت وزيرة البيئة اللبنانية، تمارا الزين، ممارسات الجيش الإسرائيلي في جنوب البلاد بأنها ترقى إلى مستوى “جريمة إبادة بيئية في لبنان“. جاء هذا الموقف الحاد في مقدمة تقرير مفصل أعده المجلس الوطني للبحوث العلمية، كاشفاً عن حجم الأضرار الهائلة التي لحقت بالموارد الطبيعية خلال المواجهات الممتدة بين عامي 2023 و2024، والتي قُدرت خسائرها الإجمالية بنحو 25 مليار دولار.
تأتي هذه التطورات في سياق نزاع طويل الأمد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، والذي شهد تصعيداً غير مسبوق منذ أكتوبر 2023. وقد أدت العمليات العسكرية المستمرة إلى تغيير جذري في المشهد الجغرافي والبيئي لجنوب لبنان، وهي منطقة تشتهر بتنوعها البيولوجي وغطائها النباتي الكثيف الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي وسبل عيش آلاف الأسر. التقرير، الذي يمتد على 106 صفحات، لا يوثق فقط الدمار المادي، بل يرسم صورة قاتمة لمستقبل بيئي محفوف بالمخاطر.
أبعاد كارثة “الإبادة البيئية في لبنان” بالأرقام
يكشف التقرير عن أرقام صادمة تعكس عمق الأزمة. فقد أسفرت العمليات العسكرية عن تدمير ما يقارب 5 آلاف هكتار من الغابات، بما في ذلك غابات الصنوبر النادرة والأشجار المعمرة، مما أدى إلى فقدان لا يعوض للتنوع البيولوجي وتدهور حاد في جودة التربة. ولم يسلم القطاع الزراعي، الذي يعد شريان الحياة في الجنوب، من هذا الدمار الممنهج، حيث بلغت الخسائر المباشرة فيه 118 مليون دولار، بينما قُدرت الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تعطل الإنتاج والحصاد بنحو 586 مليون دولار.
كما تم تدمير أكثر من 2150 هكتاراً من البساتين، التي تضم مزارع الزيتون والحمضيات والموز، وهي محاصيل أساسية للأمن الغذائي والتصدير. ويزيد من خطورة الوضع تلوث التربة بمستويات مرتفعة من الفوسفور والمعادن الثقيلة، خاصة في جنوب لبنان وسهل البقاع، مما يهدد صلاحية الأراضي للزراعة لسنوات طويلة قادمة. يضاف إلى ذلك تلوث الهواء واسع النطاق نتيجة الانبعاثات السامة الناجمة عن الذخائر، والتي تشمل أكاسيد الكبريت والنيتروجين ومركبات خطرة مثل الديوكسينات.
تداعيات تتجاوز الطبيعة لتهدد الإنسان
أكدت الوزيرة الزين أن التداعيات لا تقتصر على الطبيعة، بل تمتد لتشمل الصحة العامة والأمن الغذائي والتماسك الاجتماعي. فالدمار البيئي يهدد سبل العيش ويعمق الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، كما أنه يجبر آلاف النازحين على البقاء بعيداً عن قراهم وأراضيهم المدمرة. ويشير التقرير إلى أن ما يحدث في جنوب لبنان يعكس نمطاً مشابهاً لما جرى في قطاع غزة، من حيث استهداف البنية التحتية المدنية والبيئية.
في ظل هذه الكلفة الاقتصادية الباهظة، التي تشمل 6.8 مليار دولار خسائر مادية مباشرة و11 مليار دولار تكاليف إعادة إعمار، أكدت الزين أن لبنان “غير قادر على تحمل هذا العبء بمفرده”، داعية إلى دعم دولي واسع للمساعدة في إعادة تأهيل البيئة المتضررة. من جهته، أكد الجيش الإسرائيلي أنه يأخذ التأثيرات البيئية في الاعتبار خلال عملياته، مشدداً على أن إجراءاته تهدف لحماية أمن إسرائيل مع تقليل الأضرار على المدنيين والبيئة قدر الإمكان.


