العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري وسط انسداد سياسي معقد
دخل العراق رسمياً في مرحلة الفراغ الدستوري على مستوى السلطة التنفيذية، مع انقضاء المهلة المحددة دستورياً لتكليف مرشح لتشكيل الحكومة الجديدة. يأتي هذا التعثر بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، وفي ظل عجز القوى السياسية، وتحديداً “الإطار التنسيقي” الشيعي الذي يمثل الكتلة النيابية الأكبر، عن التوافق على شخصية موحدة لرئاسة الوزراء، مما يلقي بظلال من القلق على مستقبل العملية السياسية في بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية جسيمة.
يعكس هذا المأزق عمق الانقسام داخل البيت الشيعي، حيث تتنافس شخصيات سياسية متعددة على المنصب، مما حول عملية الاختيار إلى ما يشبه “بورصة سياسية” تتغير فيها الحظوظ دون الوصول إلى نتيجة حاسمة. ورغم طرح أكثر من 40 اسماً في البداية وتقليصها لاحقاً، لم تنجح أي شخصية في الحصول على الإجماع المطلوب، ليدخل العراق في نفق مجهول المدة، خاصة مع غياب نصوص دستورية واضحة تحدد عقوبات أو حلولاً لتجاوز هذه المهلة.
جذور الأزمة: نظام المحاصصة وتكرار الانسداد السياسي
لا يمكن فهم الأزمة الحالية بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الذي شهده العراق منذ عام 2003. فقد تأسس النظام السياسي الجديد على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية (الديمقراطية التوافقية)، والذي يقضي بتوزيع المناصب السيادية بين المكونات الرئيسية (الشيعة لرئاسة الوزراء، السنة لرئاسة البرلمان، والأكراد لرئاسة الجمهورية). ورغم أن هذا النظام كان يهدف إلى ضمان مشاركة جميع المكونات، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى سبب رئيسي للانسداد السياسي، حيث أصبحت المصالح الحزبية والفئوية تطغى على المصلحة الوطنية، مما يجعل تشكيل الحكومات عملية تفاوض شاقة وطويلة في كل دورة انتخابية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها العراق أزمة مماثلة، فقد شهدت البلاد فترات فراغ حكومي طويلة في دورات سابقة، أبرزها عام 2010 الذي استغرق تشكيل الحكومة فيه نحو تسعة أشهر. هذا النمط المتكرر يؤكد على وجود خلل بنيوي في النظام السياسي، ويفاقم من تآكل ثقة المواطن العراقي بالعملية الديمقراطية برمتها، والتي تجلت بوضوح في نسب المشاركة المتدنية في الانتخابات الأخيرة.
تداعيات الفراغ الدستوري على استقرار البلاد
إن استمرار حالة الفراغ الدستوري لا يقتصر تأثيره على الجانب السياسي فقط، بل تمتد تداعياته لتشمل كافة جوانب حياة المواطنين. فعلى الصعيد المحلي، يعني بقاء حكومة تصريف الأعمال الحالية شللاً في قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وأهمها إقرار الموازنة العامة للدولة، مما يؤدي إلى توقف المشاريع الخدمية والاستثمارية وتأخير دفع مستحقات الموظفين والمقاولين. هذا الوضع يزيد من معاناة المواطنين الذين ينتظرون حلولاً لمشاكل البطالة وتردي الخدمات الأساسية.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن عدم الاستقرار السياسي في بغداد يضعف موقف العراق الدبلوماسي ويجعله أكثر عرضة للتدخلات الخارجية. ففي منطقة مضطربة، يُنظر إلى العراق المستقر كعامل توازن، بينما يؤدي الفراغ السياسي إلى خلق بيئة خصبة لتصاعد نفوذ القوى الإقليمية والجماعات المسلحة، مما يهدد المكتسبات الأمنية التي تحققت بصعوبة في الحرب ضد تنظيم “داعش”. كما أن تداخل الحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الخارجية يزيد من تعقيد المشهد، حيث تسعى أطراف دولية للتأثير على خيارات رئيس الوزراء القادم بما يخدم أجنداتها.


