في خطوة استراتيجية تعيد تشكيل التحالفات الجيوسياسية، عززت روسيا وكوريا الشمالية تعاونهما الدفاعي، معلنةً عن خطة طويلة الأمد تضع أسس التحالف العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية على مسار راسخ يمتد حتى عام 2031. هذا التطور، الذي أُعلن عنه خلال لقاء جمع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في بيونغ يانغ، يمثل نقلة نوعية في العلاقات الثنائية من مجرد تعاون تكتيكي إلى شراكة استراتيجية شاملة، وسط متغيرات دولية متسارعة.
جاء الإعلان الرسمي على لسان الوزير بيلوسوف، الذي أكد أن البلدين اتفقا على وضع التعاون العسكري على “أسس راسخة طويلة الأمد”، مع التحضير لتوقيع خطة مشتركة للفترة الممتدة بين 2027 و2031. وأشار بيلوسوف إلى أن العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ بلغت “مستوى غير مسبوق”، وهو ما يعكس عمق التقارب الذي شهدته السنوات الأخيرة.
جذور تاريخية لشراكة استراتيجية متجددة
لا يمكن فهم هذا التقارب بمعزل عن سياقه التاريخي. فالعلاقات بين البلدين تعود إلى حقبة الاتحاد السوفيتي الذي كان الداعم الرئيسي لتأسيس كوريا الشمالية بعد الحرب العالمية الثانية. ورغم فتور العلاقات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت إحياءً لهذه الشراكة، مدفوعاً بتزايد الضغوط الغربية على كلا البلدين. فالعقوبات الدولية المفروضة على بيونغ يانغ بسبب برنامجها النووي، وتلك المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا، خلقت مصالح مشتركة ودفعت القيادتين نحو تعميق التعاون في كافة المجالات، وعلى رأسها المجال العسكري.
أبعاد التحالف العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية وتداعياته
يتجاوز هذا التحالف مجرد تبادل الزيارات الرسمية، ليشمل أبعاداً عملية وعسكرية مباشرة. فمعاهدة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم كيم جونغ أون في يونيو 2024، تضمنت بنداً للدفاع المشترك، يلزم كلاً من الطرفين بتقديم المساعدة العسكرية للآخر في حال تعرضه لعدوان. هذا البند يعيد إلى الأذهان معاهدة الدفاع السوفيتية-الكورية الشمالية القديمة، ويؤسس لواقع أمني جديد في منطقة شمال شرق آسيا.
تأثيرات جيوسياسية تتجاوز الحدود
يثير هذا التقارب قلقاً بالغاً لدى القوى الإقليمية والدولية، خاصة الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان. فمن جهة، يُعتقد أن بيونغ يانغ تزود موسكو بكميات هائلة من قذائف المدفعية والصواريخ الباليستية لاستخدامها في أوكرانيا، مما يعزز القدرات العسكرية الروسية في الصراع. وفي المقابل، تخشى واشنطن وحلفاؤها أن تقدم روسيا لكوريا الشمالية تكنولوجيا عسكرية متقدمة، قد تساعدها في تطوير برامجها الصاروخية والنووية والأقمار الصناعية، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وبالتالي، فإن هذا التحالف لا يؤثر فقط على موازين القوى في شبه الجزيرة الكورية، بل يمتد تأثيره ليشمل الساحة الأوروبية والاستقرار العالمي.


