خطوة تاريخية نحو المحاسبة في دمشق
في خطوة مفصلية قد تعيد تشكيل مشهد العدالة، تتجه أنظار السوريين والمجتمع الدولي إلى دمشق، التي تشهد بداية مسار قضائي يهدف إلى تفكيك إرث الانتهاكات الجسيمة. هذه التطورات، التي تمثل بصيص أمل في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، تتمثل في بدء محاكمة أحد أبرز رموز القمع الأمني السابقين، بالتزامن مع إلقاء القبض على متهم رئيسي في واحدة من أبشع مجازر الحرب. هذه الإجراءات القضائية لا تقتصر على كونها محاكمات فردية، بل تحمل في طياتها دلالات عميقة حول إمكانية طي صفحة الماضي الأليم وبناء مستقبل قائم على المساءلة وسيادة القانون.
جذور الصراع وبداية المساءلة
لفهم أهمية هذه المحاكمات، لا بد من العودة إلى جذور الصراع السوري الذي اندلع في مارس 2011. كانت مدينة درعا مهد الاحتجاجات السلمية التي قوبلت بقمع شديد. ويُعتبر عاطف نجيب، الذي كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا آنذاك، شخصية محورية في تلك الأحداث الأولية التي أشعلت فتيل الأزمة في البلاد. لذلك، فإن مثوله العلني أمام القضاء في القصر العدلي بدمشق لا يمثل محاكمة لشخصه فقط، بل هو بمثابة مواجهة رمزية مع بداية دوامة العنف. وفي سياق متصل، يأتي اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في “مجزرة حي التضامن” التي وقعت عام 2013 وتم الكشف عنها عبر تحقيق صحفي استقصائي هز العالم في 2022، ليفتح ملفاً آخر من الجرائم المروعة التي تتطلب تحقيقاً وعدالة شاملة للضحايا وذويهم.
أهمية المحاكمات في مسار العدالة الانتقالية في سوريا
تحمل هذه الخطوات القضائية أهمية استثنائية على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، تمثل استجابة طال انتظارها لمطالب الضحايا وعائلاتهم الذين لم يتوقفوا يوماً عن المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة. إن إجراء محاكمات علنية وشفافة يمكن أن يساهم في استعادة الثقة المفقودة في المؤسسات القضائية، ويشكل رادعاً لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً. أما على الصعيد الدولي، فتأتي هذه المحاكمات في وقت تتزايد فيه الجهود لمحاكمة مجرمي الحرب السوريين في محاكم أوروبية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، مثل محاكمة كوبلنز الشهيرة في ألمانيا. وبالتالي، فإن تحرك القضاء السوري داخلياً قد يُنظر إليه على أنه محاولة لتأكيد السيادة القضائية الوطنية، ورسالة مفادها أن الدولة قادرة على محاسبة مسؤوليها، وهو ما يمثل تحولاً في التعامل مع ملفات جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.
تحديات وآمال معلقة
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي أحدثته هذه التطورات، لا يزال طريق العدالة طويلاً ومحفوفاً بالتحديات. فالمحاكمات الحالية، على أهميتها، لا تمثل سوى غيض من فيض الانتهاكات التي ارتكبت على مدى سنوات. وتبرز تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية القضاء وقدرته على الوصول إلى جميع المتورطين، بما في ذلك القيادات العليا. إن تحقيق عدالة شاملة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وآليات قضائية متكاملة تضمن عدم الإفلات من العقاب لأي شخص تورط في جرائم ضد الإنسانية. يبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه المحاكمات بداية حقيقية لمسار أوسع من المصالحة الوطنية والعدالة، وليس مجرد خطوات انتقائية تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة.


