أثبتت المملكة العربية السعودية مجدداً حضورها المتنامي على الساحة الدولية، معززةً مكانتها كإحدى أبرز الدول في توظيف أدوات التأثير الحديثة، حيث شهدت القوة الناعمة السعودية قفزة نوعية في مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤسسة “Brand Finance” المرموقة. وحققت المملكة المركز الـ 17 عالمياً من بين 193 دولة، مسجلة رصيداً بلغ 55.9 نقطة، وهو ما يعكس نجاح التحولات الاستراتيجية التي تشهدها البلاد في ظل رؤية 2030 الطموحة.
رؤية 2030: المحرك الأساسي لنمو القوة الناعمة السعودية
لم يأتِ هذا التقدم من فراغ، بل هو نتاج مباشر لرؤية 2030 التي أعادت تشكيل صورة المملكة على الصعيدين الداخلي والخارجي. فبعد عقود من الاعتماد على القوة الصلبة المتمثلة في موارد الطاقة، تبنت السعودية استراتيجية شاملة لتنويع اقتصادها وتعزيز أصولها الثقافية والاجتماعية. لقد تحولت المملكة من مجرد مصدر رئيسي للطاقة إلى وجهة عالمية للسياحة، والثقافة، والترفيه، والرياضة، وهو ما يمثل جوهر مفهوم القوة الناعمة القائم على الجاذبية والإقناع بدلاً من الإكراه. هذا التحول الاستراتيجي ساهم في تغيير الصورة النمطية السابقة وفتح آفاقاً جديدة للتواصل مع شعوب العالم.
مؤشرات الأداء الرئيسية: اقتصاد قوي وسمعة متنامية
استند تقرير “Brand Finance” في تقييمه المتقدم للمملكة على عدة ركائز أساسية أظهرت أداءً استثنائياً. يأتي في مقدمتها مؤشر “الاقتصاد القوي والمستقر”، حيث احتلت المملكة المركز الثالث عالمياً، مما منحها حصانة سيادية ضد تراجع المشاعر العالمية تجاه القوى الكبرى التقليدية. كما شهدت ركيزة “الشعب والقيم” قفزة نوعية بمقدار 20 نقطة، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في الإدراك العالمي للمجتمع السعودي، الذي أصبح يُنظر إليه كمجتمع حيوي، مضياف، ومنفتح على العالم. هذا التطور يعزز من جاذبية المملكة كوجهة للعيش والعمل والاستثمار.
من النفط إلى السياحة والثقافة
لعبت المبادرات الثقافية والسياحية دوراً محورياً في هذا الصعود. فاستراتيجية “مواسم السعودية” وتطوير وجهات تاريخية فريدة مثل “العلا” و”الدرعية” ساهما في رفع رصيد ركيزة “الثقافة والتراث” بمقدار 12 نقطة. لقد نجحت المملكة في تحويل “الأصول الثابتة” إلى “أصول متداولة” عالمياً عبر قطاعي السياحة والترفيه، مما عزز من مؤشر “الألفة” مع العلامة السعودية وجعلها أكثر حضوراً في الأذهان على مستوى العالم.
التأثير الإقليمي والدولي: دور قيادي متجدد
على الصعيد الإقليمي، رسخت المملكة مكانتها في المرتبة الثانية في الشرق الأوسط ضمن مؤشري “التأثير” و”العلاقات الدولية”، والثالثة في مؤشرات “السمعة” و”الألفة” و”الشهرة”. هذا التفوق لم يعد يقتصر على الدور السياسي والاقتصادي التقليدي، بل امتد ليشمل قيادة التغيير الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، حيث أصبحت رؤية 2030 نموذجاً ملهماً تسعى العديد من الدول للاستفادة من تجربته. إن استضافة المملكة لفعاليات عالمية كبرى، مثل سباقات الفورمولا 1 وبطولات الجولف العالمية ومعرض إكسبو 2030 المرتقب، يعزز من مكانتها كلاعب محوري على الساحة الدولية، قادر على جمع العالم وحل القضايا المعقدة.
ويشير التقرير إلى أن التحدي القادم يكمن في تحويل هذا “التأثير” المتنامي إلى “سمعة” وطنية راسخة ومستدامة، عبر تعزيز قنوات التواصل حول محاور الحوكمة والاستدامة، لضمان دخول قائمة الـ 15 الكبار بحلول عام 2027، وتحويل الإعجاب بالمنجزات إلى ثقة مستدامة في الأنظمة المؤسسية للمملكة.


