عادت قضية التهديدات الأمنية التي تحيط بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إلى الواجهة بقوة خلال عام 2024، لكن سلسلة محاولات اغتيال ترمب لم تبدأ اليوم، بل تمتد على مدار عقد كامل، كاشفةً عن حجم الاستقطاب السياسي العميق الذي تعيشه الولايات المتحدة. فمنذ دخوله معترك السياسة وحتى اليوم، وثّقت التقارير الأمنية ما لا يقل عن ثماني حوادث خطيرة، تنوعت بين مؤامرات فردية، وتهديدات خارجية، وهجمات مباشرة، لترسم صورة قاتمة للمشهد السياسي الأمريكي.
بدأت هذه السلسلة في وقت مبكر من مسيرته السياسية. ففي يونيو 2016، خلال تجمع انتخابي حاشد في لاس فيغاس، حاول شاب بريطاني يُدعى مايكل ساندفورد انتزاع مسدس من ضابط شرطة بهدف إطلاق النار على ترمب، معترفاً لاحقاً بأنه كان يخطط لقتله. ورغم أن هذه المحاولة كانت ساذجة، إلا أنها كانت مؤشراً مبكراً على أن شخصية ترمب المثيرة للجدل وخطابه الحاد قد يدفعان البعض إلى التفكير في العنف. ومع وصوله إلى البيت الأبيض، لم تتوقف التهديدات، ففي سبتمبر 2017، أقدم رجل في داكوتا الشمالية على سرقة رافعة شوكية في محاولة لاختراق موكب الرئيس، بينما شهد عام 2020 إرسال رسالة تحتوي على مادة “الريسين” السامة إلى البيت الأبيض موجهة إلى ترمب.
تصاعد محاولات اغتيال ترمب في عام 2024
شهد عام 2024 تصعيداً خطيراً في طبيعة الهجمات، حيث تحولت من مجرد مؤامرات يتم إحباطها إلى هجمات فعلية. ففي 13 يوليو، وخلال تجمع انتخابي في بنسلفانيا، تعرض ترمب لإطلاق نار مباشر من قناص يُدعى توماس ماثيو كروكس، مما أدى إلى إصابته في أذنه ومقتل أحد الحاضرين. وقد صنف مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الحادثة رسمياً على أنها “محاولة اغتيال”، مما أثار صدمة واسعة في البلاد وأعاد إلى الأذهان تاريخ الاغتيالات السياسية في أمريكا.
لم يكد يمر شهران حتى وقعت محاولة أخرى في 15 سبتمبر، حيث رصد عملاء الخدمة السرية رجلاً مسلحاً ببندقية قنص يختبئ في شجيرات بالقرب من نادي ترمب الدولي للغولف في فلوريدا بينما كان الرئيس السابق يلعب هناك. تبادل العملاء إطلاق النار مع المشتبه به، الذي تمكن من الفرار قبل أن يُقبض عليه لاحقاً. هذه الحادثة أكدت أن ترمب أصبح هدفاً مستمراً، سواء في التجمعات العامة أو حتى في لحظاته الخاصة.
تداعيات سياسية وأمنية في مشهد مستقطب
لا يمكن فصل هذه الحوادث عن سياقها السياسي والاجتماعي. فالولايات المتحدة تشهد انقساماً حاداً لم يسبق له مثيل، حيث يرى أنصار ترمب فيه قائداً منقذاً، بينما يعتبره معارضوه تهديداً للديمقراطية. هذا الاستقطاب يغذي خطاب الكراهية والعنف، ويوفر بيئة خصبة للأفراد والجماعات المتطرفة لتبرير أعمالهم. على الصعيد المحلي، أدت هذه المحاولات إلى تكثيف الإجراءات الأمنية حول ترمب وجميع المرشحين السياسيين، وأثارت جدلاً وطنياً حول قوانين حيازة السلاح وسهولة حصول الأفراد غير المستقرين على أسلحة فتاكة.
أما على الصعيد الدولي، فقد أضافت بعض التهديدات بعداً جيوسياسياً، أبرزها الكشف عن مؤامرة دبرها الحرس الثوري الإيراني لاغتيال مسؤولين أمريكيين سابقين، من بينهم ترمب، رداً على مقتل قاسم سليماني. هذا النوع من التهديدات المدعومة من دول يرفع من مستوى الخطر بشكل كبير، وينقل التحدي الأمني من مواجهة “الذئاب المنفردة” إلى التصدي لمؤامرات دولية معقدة، مما يضع الأجهزة الأمنية الأمريكية في حالة تأهب قصوى ومستمرة.


