تتجه الأنظار مجدداً إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن استضافة جولة محادثات بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء يوم الخميس المقبل. تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الدبلوماسية المستمرة لتهدئة الأوضاع وتسهيل نقاشات مباشرة بحسن نية بين الحكومتين، بهدف الوصول إلى حلول جذرية للقضايا العالقة، وعلى رأسها ملف الحدود البرية.
السياق التاريخي لمسار أي محادثات بين لبنان وإسرائيل
لم تكن أي محادثات بين لبنان وإسرائيل وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من النزاعات ومحاولات التهدئة. تاريخياً، شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية توترات مستمرة منذ عقود، تخللتها حروب واشتباكات متقطعة. وفي السنوات الأخيرة، نجحت الوساطة الأمريكية في إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية، مما فتح الباب أمام إمكانية مناقشة الحدود البرية. وتعتبر خطوط الانسحاب أو ما يُعرف بـ “الخط الأزرق” الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 نقطة ارتكاز أساسية، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط الحدودية، أبرزها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. هذا الإرث التاريخي المعقد يجعل من الجولة الحالية محطة مفصلية في مسار العلاقات والمفاوضات بين الطرفين.
تفاصيل الجولة الثانية من المفاوضات في واشنطن
أوضح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن بلاده ستواصل لعب دور المسهل لهذه النقاشات المباشرة. وفي هذا السياق، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الاجتماع المرتقب في مقر وزارة الخارجية بواشنطن سيركز بشكل أساسي على مسألة الحدود البرية. ونقلت الهيئة عن مصدر إسرائيلي قوله إن هذه المفاوضات من شأنها تمديد وقف إطلاق النار ومناقشة ترسيم الحدود الدولية، على الرغم من استمرار الخلافات حول مزارع شبعا. من جانبه، صرح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي بأن إسرائيل تعمل على خلق واقع جديد في لبنان يهدف إلى إعادة الأمن لسكان الشمال الإسرائيلي.
التحضيرات اللبنانية والموقف الرسمي
على الجانب اللبناني، تتواصل الاستعدادات الميدانية والسياسية. فقد أعلن الجيش اللبناني عن إنشاء جسر بديل لجسر طيرفلسيه فوق نهر الليطاني، مؤكداً أنه أصبح سالكاً أمام المركبات، مما يسهل حركة التنقل في الجنوب. سياسياً، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الهدف الأساسي من التفاوض مع إسرائيل هو وقف الأعمال العدائية، إنهاء الاحتلال، ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دولياً. وأوضح عون أن الوفد اللبناني المفاوض سيترأسه سفير لبنان السابق في أمريكا سيمون كرم، مشدداً بالقول: «أي أحد آخر لن يشارك في هذه المهمة». يذكر أن واشنطن كانت قد احتضنت الأسبوع الماضي أول لقاء مباشر بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي ميخائيل هرتسوغ، بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع إقليمياً ودولياً
تكتسب هذه الجولة من المفاوضات أهمية بالغة تتجاوز البعد المحلي لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. محلياً، يمثل التوصل إلى اتفاق بشأن الحدود البرية خطوة حاسمة نحو تعزيز الاستقرار الداخلي في لبنان وبسط سلطة الدولة، فضلاً عن ضمان عودة الهدوء لسكان شمال إسرائيل. إقليمياً، يساهم نجاح هذه المحادثات في نزع فتيل التوتر في واحدة من أكثر الجبهات سخونة في الشرق الأوسط، مما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة ككل ويقلل من احتمالات التصعيد العسكري. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار الرعاية الأمريكية لهذه المفاوضات يعكس التزاماً دولياً بضمان أمن واستقرار شرق البحر المتوسط، ويؤكد على أهمية الدبلوماسية كخيار استراتيجي لحل النزاعات المعقدة.


