يُعد فن التعشير واحداً من أبرز الفنون الشعبية الاستعراضية التي اشتهرت بها قبائل منطقة مكة المكرمة، وتحديداً في محافظة الطائف. تاريخياً، لم يكن هذا الفن مجرد أداء حركي، بل كان رقصة حرب تُستخدم قديماً لإظهار القوة، وبث الرعب في قلوب الأعداء، إلى جانب شحذ الهمم ورفع مستوى الحماس في نفوس المحاربين قبل خوض المعارك. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الرقصة المهيبة إلى أيقونة ثقافية تعبر عن الفرح والاعتزاز بالهوية الوطنية.
السياق التاريخي: جذور هذا الموروث في شبه الجزيرة العربية
تعود جذور هذا الموروث إلى مئات السنين، حيث ارتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الحياة القبلية في شبه الجزيرة العربية. في الماضي، كان السلاح يمثل جزءاً لا يتجزأ من هوية الرجل العربي، وكان استخدامه بمهارة يُعد دليلاً على الشجاعة والإقدام. ومن هنا، برز هذا الأداء الاستعراضي كطريقة لتدريب الشباب على حمل السلاح والتعامل مع البارود. كان المحارب يقفز عالياً في الهواء ويطلق النار من بندقيته (المقمع) نحو الأسفل، مما يُحدث صوتاً مدوياً وسحابة من الدخان، في مشهد يعكس التناغم التام بين المؤدي وسلاحه وبيئته الجبلية القاسية التي صقلت مهاراته عبر الأجيال.
من ساحات المعارك إلى ميادين الاحتفالات
بفضل الله تعالى، وفي ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية من أمن وأمان واستقرار تحت قيادتها الرشيدة، لم يعد هناك حاجة لاستخدام هذه الفنون في الحروب. ونتيجة لذلك، تحول هذا الأداء من أسلوب قتالي إلى موروث شعبي استعراضي يُدخل البهجة والسرور في الأعياد، ومناسبات الزواج، والاحتفالات الوطنية. وكما يوضح المؤرخ خالد الحميدي، فإن هذا اللون التراثي الأصيل يختزل العلاقة العميقة بين الشاب المؤدي، الذي يعشق موروث قبيلته، وبين البيئة التي منحته الأدوات للتعبير عن فرحته ومشاركته الوجدانية لأبناء جلدته. إن إيقاع الصوت والضوء المصاحب لهذا الفن يسري في حواس الحضور، مجسداً فخر الأبناء بسلاح الآباء والأجداد الذي توارثوه بكل براعة.
أهمية فن التعشير وتأثيره الثقافي محلياً ودولياً
تتجاوز أهمية فن التعشير مجرد كونه استعراضاً محلياً عابراً؛ فهو يمثل ركيزة أساسية في حفظ الذاكرة الثقافية للمملكة. على المستوى المحلي، يُسهم هذا الفن في تعزيز اللحمة الوطنية والتقارب الاجتماعي، حيث يحرص أهالي منطقة مكة المكرمة على إقامته في عيدي الفطر والأضحى والمهرجانات الثقافية، مما يرسخ مشاعر الفخر والاعتزاز بالأصالة لدى الأجيال الشابة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن إبراز مثل هذه الفنون التراثية يتماشى مع جهود المملكة في تسليط الضوء على تنوعها الثقافي الغني. إن توثيق وعرض هذه الرقصات التقليدية أمام الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم يعكس عمق الحضارة السعودية، ويبرز كيف استطاع الإنسان العربي تحويل أدوات الحرب إلى جسور للتواصل الثقافي والفني، مما يعزز مكانة التراث السعودي على خريطة الثقافة العالمية.


