في ظل التطورات المتسارعة على الساحة الدولية، تعثرت جولة المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وطهران التي أقيمت في باكستان. هذا التعثر الدبلوماسي دفع القيادة العسكرية في تل أبيب إلى اتخاذ خطوات استباقية، حيث تتحسب إسرائيل لاحتمال العودة السريعة إلى مسار الحرب مع إيران. وفي هذا السياق، أصدر رئيس الأركان الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، أوامر صارمة برفع مستوى الجاهزية القتالية للجيش الإسرائيلي إلى حدود غير مسبوقة، تحسباً لأي طارئ قد يفرض نفسه على المشهد الإقليمي المعقد.
الجذور التاريخية للصراع: ما وراء الحرب مع إيران
لفهم طبيعة التوترات الحالية، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. لم يكن الصراع الإسرائيلي الإيراني وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقود من “حرب الظل” التي شملت هجمات سيبرانية متبادلة، واغتيالات لشخصيات علمية وعسكرية، واشتباكات غير مباشرة عبر وكلاء إقليميين. منذ عقود، تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وتطوير طهران للصواريخ الباليستية تهديداً وجودياً لأمنها القومي. وقد تصاعدت هذه المخاوف مع تزايد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، مما جعل أي مواجهة مباشرة بمثابة تتويج لسنوات من التحشيد العسكري والاستخباراتي المتبادل.
تحديث بنك الأهداف واستراتيجية الردع العسكري
على الصعيد الميداني، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر عسكرية تأكيدها أن الجيش الإسرائيلي دخل في صيغة استعداد قتالي منظمة، مشابهة لتلك التي سبقت عمليات سابقة داخل العمق الإيراني. تتضمن هذه الاستعدادات تسريع جميع عمليات التخطيط والتنفيذ، ورفع مستوى الجاهزية في مختلف الوحدات، إلى جانب تقليص أزمنة الاستجابة وسد الفجوات العملياتية.
ويعمل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بكثافة على تسريع وتيرة بناء وتحديث «بنك الأهداف» داخل إيران. يتركز هذا التحديث بشكل واضح على الأهداف العسكرية الحيوية، وعلى رأسها منظومات الصواريخ ومنصات الإطلاق، إضافة إلى البنى التحتية الداعمة لهذه القدرات. ويهدف هذا التحديث المكثف إلى توفير مرونة عملياتية عالية، تمكن الجيش من تنفيذ ضربات دقيقة وسريعة فور صدور قرار سياسي، دون الحاجة إلى فترات تحضير طويلة.
في الوقت ذاته، يعمل سلاح الجو الإسرائيلي، بالتعاون الوثيق مع شعبة العمليات، على بلورة خطط هجومية محدثة تتضمن حزماً هجومية واسعة النطاق. تجمع هذه الخطط بين القدرات بعيدة المدى، والدقة العالية، والاستمرارية، بما يسمح بتنفيذ عمليات مركبة في عمق الأراضي الإيرانية. وتشمل هذه الاستعدادات التدريب المكثف على سيناريوهات الافتتاح، بما في ذلك الضربة الأولى، والاستعداد للانتقال الفوري من التخطيط إلى التنفيذ في إطار جاهزية قتالية كاملة.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي تصعيد محتمل
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع تتجاوز الحدود الجغرافية للبلدين. فعلى الصعيد المحلي، قد تؤدي أي مواجهة شاملة إلى أضرار جسيمة في البنى التحتية وتأثيرات اقتصادية عميقة على كلا الطرفين. أما إقليمياً، فإن اندلاع صراع مباشر يهدد بإشعال جبهات متعددة، حيث قد تتدخل الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في دول الجوار، مما يهدد أمن الملاحة البحرية في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر.
دولياً، يثير هذا التصعيد مخاوف جدية لدى القوى الكبرى، إذ أن أي حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط ستؤدي حتماً إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط. كما أنها قد تجر أطرافاً دولية أخرى للتدخل المباشر أو غير المباشر لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
تعثر الدبلوماسية ومستقبل الهدنة الهشة
تأتي هذه التطورات العسكرية المتلاحقة في وقت حرج سياسياً. فقد أجرى مسؤولون أمريكيون، يتقدمهم نائب الرئيس جاي دي فانس، ومسؤولون إيرانيون يقودهم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، محادثات سلام في باكستان. إلا أن هذه المحادثات انتهت من دون تحقيق أي نتيجة تذكر. وتزامن هذا الفشل الدبلوماسي مع هدنة هشة استمرت لأسبوعين في سياق الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أواخر شهر فبراير الماضي، مما يترك الباب مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات العسكرية في الأيام القادمة.


