في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد السياسي، تضاربت الأنباء حول مصير الأصول الإيرانية المجمدة، حيث كشف مسؤول إيراني رفيع المستوى لوكالة “رويترز” أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وافقت بالفعل على الإفراج عن أموال إيرانية محتجزة في دولة قطر وعدد من البنوك الأجنبية الأخرى. وفي المقابل، سارع البيت الأبيض إلى نفي صحة هذه المعلومات بشكل قاطع، مؤكداً أن التقارير التي تتحدث عن موافقة أمريكية رسمية على فك تجميد تلك الأموال هي تقارير غير دقيقة وعارية عن الصحة.
من جانبه، اعتبر المسؤول الإيراني أن التوجه نحو تحرير هذه الأموال يمثل “اختباراً حقيقياً لحسن النية ودليلاً قاطعاً على الجدية بشأن التوصل لاتفاق سلام دائم”. وتأتي هذه التصريحات قبيل انطلاق جولة جديدة من المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، والتي تهدف إلى إنهاء حالة التوتر. ولفت المسؤول إلى أن خطوة فك التجميد ترتبط ارتباطاً مباشراً بضمان المرور الآمن للسفن التجارية وناقلات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك كشرط مسبق قبل التوصل إلى أي اتفاق نهائي. وفي هذا السياق، وصل الوفدان الأمريكي والإيراني إلى باكستان لبدء محادثات أولية مع المسؤولين الباكستانيين.
وفي تصريحات أدلى بها يوم السبت في إسلام أباد، أكد رئيس وفد التفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن بلاده دخلت هذه المفاوضات مع الولايات المتحدة بـ”حسن نية”، مستدركاً بالقول: “لكننا لا نثق بالطرف الآخر”. وأوضح قاليباف فور وصوله إلى المطار يوم الجمعة، أن تجربة طهران التاريخية في التفاوض مع واشنطن “كانت دائماً مقرونة بالفشل ونقض الالتزامات والعهود”. ورغم ذلك، شدد على استعداد إيران الكامل للتوصل إلى اتفاق شامل إذا أبدت الإدارة الأمريكية جدية حقيقية. ورداً على تصريحات سابقة، أشار قاليباف إلى أن إيران تعرضت لهجمات متعددة خلال أقل من عام وفي خضم مسارات تفاوضية سابقة، مؤكداً أن طهران تمتلك نوايا حسنة لكنها تفتقد للثقة في واشنطن، ومحذراً من استخدام طاولة الحوار كـ”غطاء أو أداة خداع”، ومشدداً على جاهزية بلاده للدفاع عن حقوقها.
الجذور التاريخية لأزمة الأصول الإيرانية المجمدة
تعود أزمة الأصول الإيرانية المجمدة إلى عقود من التوترات السياسية والاقتصادية بين طهران وواشنطن، والتي تفاقمت بشكل كبير بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018. منذ ذلك الحين، فرضت الإدارة الأمريكية حزماً متتالية من العقوبات الاقتصادية الصارمة التي أدت إلى تجميد مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني في بنوك دولية مختلفة. هذه العقوبات جعلت من مسألة الإفراج عن الأموال ورقة ضغط رئيسية تستخدمها واشنطن في أي مفاوضات، بينما تعتبرها طهران حقاً سيادياً وشرطاً أساسياً لإبداء حسن النية في أي حوار دبلوماسي يهدف إلى تخفيف التوتر في منطقة الشرق الأوسط.
التداعيات الإقليمية والدولية لمسار المفاوضات
يحمل مسار التفاوض الحالي أهمية استراتيجية بالغة تتجاوز حدود البلدين لتؤثر على المشهدين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يرتبط نجاح هذه المحادثات بشكل وثيق بأمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي، وتحديداً مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. أي تصعيد أو انفراجة في العلاقات سينعكس فوراً على استقرار أسواق الطاقة. أما على الصعيد الدولي، فإن التوصل إلى تفاهمات قد يمهد الطريق لعودة تدريجية للجهود الدبلوماسية، مما يقلل من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق، ويعزز من فرص الاستقرار في منطقة تعاني بالفعل من أزمات جيوسياسية معقدة.


