تتجه أنظار المجتمع الدولي بأسره نحو العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث انطلقت اليوم السبت سلسلة من اللقاءات التمهيدية رفيعة المستوى، تمهيداً لبدء مفاوضات أمريكا وإيران التي طال انتظارها. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة في وقت حساس للغاية، حيث يسعى الطرفان إلى إيجاد أرضية مشتركة قد تنهي عقوداً من التوتر المستمر وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
كواليس انطلاق مفاوضات أمريكا وإيران في باكستان
شهدت العاصمة الباكستانية حراكاً سياسياً استثنائياً، حيث تعقد الوفود الإيرانية والأمريكية لقاءات منفصلة مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل الدخول في أي حوار مباشر أو غير مباشر. وفي هذا السياق، اجتمع فريق التفاوض الإيراني مساء أمس مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وفقاً لمصادر باكستانية مطلعة.
وقد وصل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى باكستان اليوم بعد رحلة طيران استغرقت نحو 17 ساعة، وكان في استقباله بقاعدة نور خان الجوية قائد الجيش الباكستاني. وسبقه في الوصول المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على متن طائرة أخرى. في المقابل، يترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي، وسكرتير مجلس الدفاع علي أكبر أحمديان. وقد توجه الوفد الإيراني إلى فندق سيرينا في المنطقة الحمراء بإسلام آباد، حيث من المقرر عقد لقاءات غير مباشرة عبر الوسيط الباكستاني.
الشروط المسبقة وتمديد الهدنة المؤقتة
تتوقف الخطوات القادمة على مدى نجاح هذه اللقاءات التمهيدية. ففي حال ظهور إشارات إيجابية بين الطرفين بعد ظهر اليوم، هناك احتمالية كبيرة لتمديد هدنة الأسبوعين المؤقتة التي أُعلن عنها يوم الأربعاء الماضي، مع إمكانية استمرار المحادثات حتى يوم الأحد أو الإثنين.
من جانبه، أوضح التلفزيون الإيراني الرسمي أن تحديد موعد الحوار مع الوفد الأمريكي مرهون بتوضيح وتلبية الشروط المسبقة، والتي تتضمن بشكل رئيسي وقف إطلاق النار في لبنان والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وأكد قليباف خلال لقائه بشهباز شريف أن طهران مستعدة للتوصل إلى اتفاق حقيقي يضمن حقوقها، مشدداً على امتلاك بلاده نوايا حسنة رغم أنها لا تثق بأمريكا. وتأتي هذه التطورات وسط تصريحات حازمة وتهديدات متكررة من الإدارة الأمريكية باحتمالية استئناف الحرب في حال فشل التوصل إلى تسوية.
الجذور التاريخية للتوتر الدبلوماسي
لفهم تعقيدات المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات بين البلدين. فقد شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية قطيعة دبلوماسية منذ عام 1979، وتخللتها أزمات متعددة وعقوبات اقتصادية قاسية. ورغم الانفراجة النسبية التي تحققت بتوقيع الاتفاق النووي في عام 2015، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة الأحادي منه في عام 2018 أعاد الأمور إلى المربع الأول، مما أدى إلى تصعيد التوترات. وتبرز أهمية اللقاءات الحالية في كونها محاولة جادة لكسر الجليد وتجاوز عقبات الماضي عبر وساطة باكستانية تسعى لتقريب وجهات النظر.
الأبعاد الإقليمية والدولية للتقارب المحتمل
تحمل هذه المحادثات أبعاداً تتجاوز حدود البلدين لتؤثر على المشهد العالمي بأسره. على الصعيد الإقليمي، من شأن أي اختراق دبلوماسي أن يساهم في تهدئة بؤر الصراع المشتعلة، ويقلل من حدة الاستقطاب في الشرق الأوسط. وقد أعرب وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار عن أمله في انخراط الطرفين بشكل بناء، مجدداً التأكيد على رغبة إسلام آباد في مواصلة العمل على تسهيل التوصل إلى حل للصراع.
أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه الجهود سينعكس إيجاباً على استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمن المنطقة، مما يمنح الاقتصاد العالمي متنفساً بعيداً عن شبح الحروب والأزمات الجيوسياسية المتلاحقة.


