في تطور حقوقي بارز يسلط الضوء على الانتهاكات المستمرة، كشفت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية عن إحصائيات مفزعة تتعلق بملف جرائم القنص في اليمن. واتهمت المؤسسة جماعة الحوثي بالتورط المباشر في قنص 2730 مدنياً، مشيرة إلى أن الأغلبية العظمى من هؤلاء الضحايا هم من الفئات الأشد ضعفاً، وتحديداً النساء والأطفال. وكان آخر هؤلاء الضحايا الطفل إبراهيم جلال، الذي شُيع إلى مثواه الأخير مؤخراً، مما يعكس استمرار هذه المأساة اليومية. وإلى جانب القتلى، أكد التقرير أن هذه العمليات تسببت في إصابة أكثر من 800 مدني بجروح متفاوتة الخطورة، مما يترك ندوباً غائرة في جسد المجتمع اليمني.
تصاعد جرائم القنص في اليمن: تعز في صدارة المشهد المأساوي
أوضحت المؤسسة في تقريرها الشامل أن محافظة تعز تتصدر بلا منازع قائمة ضحايا الاستهداف المباشر في البلاد. وفي هذا السياق، صرحت زعفران زايد، مستشارة وزارة حقوق الإنسان ورئيسة مؤسسة تمكين المرأة اليمنية، بأن جماعة الحوثي اعتادت على ارتكاب هذه الانتهاكات بشكل ممنهج في عدة محافظات، إلا أن مدينة تعز تظل الأكثر عرضة لهذا النوع من الجرائم التي ترقى بلا شك إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وأشارت إلى أن هذه الأفعال لم تعد مجرد حوادث عرضية أو متفرقة، بل تحولت إلى نمط متكرر ومدروس يستهدف الحياة المدنية بشكل مباشر.
السياق الميداني: حصار خانق وتحويل الأحياء إلى ساحات للموت
لفهم أبعاد هذه المأساة، يجب النظر إلى السياق العام للنزاع. فمنذ اندلاع الحرب في اليمن أواخر عام 2014، وعقب فرض الحصار الخانق على مدينة تعز في عام 2015، لجأت المليشيات الحوثية إلى استخدام القناصة المتمركزين على التباب والمباني المرتفعة كأداة رئيسية لترويع السكان وفرض السيطرة بالنار. استند التقرير الحقوقي إلى بيانات موثقة ضمن موسوعة “100 حكاية إنسانية من اليمن”، بالإضافة إلى مصادر مفتوحة وتقارير حقوقية متقاطعة، ليؤكد أن رصاص القناصة استهدف أطفالاً أثناء لعبهم كرة القدم، ونساءً كنّ يقفن قرب نوافذ منازلهن، ومدنيين عُزل خلال تنقلهم اليومي أو سعيهم للحصول على المياه والخدمات الأساسية. هذا الاستهداف المتعمد حول تفاصيل الحياة اليومية إلى مساحة مفتوحة للموت والخوف المستمر، حيث لم يعد الطفل آمناً في لعبه، ولا المرأة في منزلها.
التداعيات الإنسانية والمطالبات الدولية بإنهاء الإفلات من العقاب
تكتسب هذه التوثيقات أهمية بالغة بالنظر إلى تأثيرها العميق على المستويات المحلية والدولية. محلياً، أدت هذه الممارسات إلى شلل شبه تام في حركة المدنيين داخل الأحياء المستهدفة، وفاقمت من الأزمة الإنسانية والاقتصادية المتردية أصلاً. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الوقائع تمثل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحرم استهداف المدنيين في أوقات النزاع. ومن هنا، وجهت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية دعوة عاجلة للأمم المتحدة والآليات الدولية المعنية لفتح تحقيقات مستقلة ومحايدة، والعمل الجاد على إدراج هذه الانتهاكات ضمن ملفات المساءلة الدولية. وطالبت المجتمع الدولي بممارسة ضغوط حقيقية لوقف هذا النزيف، مشددة على أن العدالة للضحايا ليست مجرد مطلب إنساني فحسب، بل هي التزام قانوني وأخلاقي، وأن استمرار الصمت لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد المأساة الإنسانية في اليمن.


