فيما تنقضي مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز خلال ساعات، يتساءل مراقبون ومحللون سياسيون حول العالم عن كيفية إعادة تشغيل هذا الممر البحري الاستراتيجي. وتبرز هذه التساؤلات بقوة في حال عدم التوصل إلى اتفاق حاسم بين واشنطن وطهران لإنهاء حالة التوتر وتجنب اندلاع حرب شاملة في المنطقة.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية قبل إعادة فتح مضيق هرمز
لفهم حجم الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي والأهمية الجيوسياسية لهذا الممر المائي. يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. تاريخياً، كان المضيق مسرحاً لتوترات عديدة، أبرزها “حرب الناقلات” إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، مما يثبت أن أمن هذا المضيق ليس مسألة محلية فحسب، بل هو شأن دولي بامتياز.
إن التأثير المتوقع لأي إغلاق أو تهديد للملاحة في المضيق يتجاوز الحدود الإقليمية ليضرب الاقتصاد العالمي في مقتل. فمن خلال هذا الممر الضيق، يمر نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي، فإن أي تعطيل لحركة السفن سيؤدي فوراً إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة العالمية، مما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي الدولي، ويضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
4 خيارات مطروحة لإنهاء الأزمة
في هذا السياق المعقد، حددت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية 4 خيارات رئيسية بشأن التعامل مع الأزمة، إلا أنها رأت أن المعضلة الحقيقية لا تتعلق باستمرار التهديدات العسكرية فقط، بل بطبيعة المضيق الجغرافية نفسه، والذي تتشابك فيه المصالح الدولية، فضلاً عن صعوبة فرض أمن دائم ومستدام فيه.
1. مرافقة قطع بحرية للسفن التجارية
يعتمد الخيار الأول، وفقاً لتقرير الصحيفة، على مرافقة السفن التجارية بقطع بحرية عسكرية. وهو طرح تدفع به فرنسا، في حين تحث واشنطن حلفاءها الأوروبيين ودولاً أخرى مثل اليابان على حماية السفن التي ترفع أعلامهم الوطنية. إلا أن هذا المسار يبدو مكلفاً للغاية من الناحية اللوجستية والمادية. كما أن القدرات الدفاعية للقطع البحرية لا تضمن ردع كل أشكال الهجوم، خصوصاً إذا لجأت إيران إلى استخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز) أو الزوارق السريعة في ضربات خاطفة، والتي يكفي نجاح بعضها لإرباك شركات التأمين البحري ومالكي السفن.
2. نشر كاسحات الألغام لتطهير المضيق
يركز الخيار الثاني على إرسال كاسحات ألغام لتطهير مياه المضيق. بيد أن هذا الاحتمال تصاحبه شكوك عميقة من قبل مسؤولين عسكريين غربيين حول ما إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً بحرية بالفعل أم لا. هذا الغموض يجعل هذا الخيار محدود الجدوى إذا نُفذ بمفرده، وقد يكون مجرد أداة داعمة ضمن ترتيبات أمنية وعسكرية أوسع.
3. توفير حماية جوية عبر المقاتلات
أما الخيار الثالث، فإنه يعتمد على توفير مظلة حماية جوية مستمرة عبر نشر طائرات مقاتلة وطائرات مسيّرة لاعتراض أي هجمات محتملة على السفن العابرة. لكن هذا الخيار، مثل سابقيه، يظل مرتفع التكلفة بشكل كبير، ولا يقدّم ضماناً أمنياً كاملاً؛ لأن ضربة صاروخية أو جوية ناجحة واحدة قد تكفي لتقويض الثقة الدولية بالممر المائي بأكمله.
4. الجمع بين الضغط الدبلوماسي والردع العسكري
يبدو أن الخيار الرابع هو الأقرب إلى الواقعية من وجهة نظر الصحيفة الأمريكية. إذ إنه يجمع بين ممارسة الضغط الدبلوماسي المكثف واستخدام الوسائل العسكرية كقوة ردع. هذا يعني دفع إيران عبر مسارات التفاوض والضغوط الاقتصادية القاسية إلى الامتناع طوعاً عن استهداف السفن، مع الإبقاء على أدوات الردع العسكري حاضرة وجاهزة لفرض ذلك بالقوة إن لزم الأمر.
وأفاد التقرير بأن هذا المسار المزدوج لا يقدّم مخرجاً مضموناً وسريعاً أيضاً، خصوصاً أن المفاوضات لم تنجح حتى الآن في إحداث اختراق حقيقي. وفي المقابل، أعلنت طهران بوضوح أنها تعتزم مواصلة التحكم بحركة المرور البحري في المضيق حتى بعد توقف أي تصعيد عسكري محتمل، بل ولوّحت بفرض رسوم عبور على السفن التجارية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الحلول السلمية بعيدة المنال في الوقت الراهن.


