في خطوة تعكس عمق الانقسام الدولي وتضارب المصالح بين القوى العظمى، أرجأت مملكة البحرين، بصفتها الرئيس الحالي لمجلس الأمن، التصويت على مشروع قرار يهدف إلى تأمين الملاحة البحرية وحل أزمة مضيق هرمز. كان من المقرر إجراء التصويت يوم السبت الماضي، إلا أن مصادر دبلوماسية أكدت تأجيله للأسبوع المقبل بعد سلسلة من التعديلات التي حاولت تلطيف النص لتجاوز الاعتراضات القوية من قبل روسيا والصين.
جذور التوترات في الممرات المائية الاستراتيجية
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التجاذبات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي. يُعد المضيق، الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب، أحد أهم الممرات المائية في العالم. على مر العقود، شهدت هذه المنطقة الاستراتيجية تصعيدات متكررة، بدءاً من “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى التهديدات المستمرة بإغلاقه في أوقات الأزمات الدبلوماسية. هذا الإرث التاريخي يجعل من أي تحرك دولي في الوقت الراهن مسألة بالغة الحساسية، حيث تتداخل المصالح الأمنية لدول المنطقة مع الاستراتيجيات الكبرى للقوى العالمية التي تسعى لضمان تدفق إمدادات الطاقة دون انقطاع.
تفاصيل مشروع القرار ومحاولات التوافق الدبلوماسي
يمنح مشروع القرار المقترح الدول الأعضاء، سواء بشكل فردي أو ضمن تحالفات بحرية متعددة الجنسيات طوعية، صلاحية استخدام «جميع الوسائل الدفاعية اللازمة والمتناسبة مع الظروف» في المضيق والمياه المجاورة. يهدف هذا الإجراء، الذي يُقترح أن يستمر لستة أشهر على الأقل في حال إقراره، إلى ضمان حرية المرور ومنع أي محاولات لإغلاقه أو التدخل في الملاحة الدولية. وفي مسعى لتجاوز الفيتو الروسي والصيني، سعت البحرين إلى حذف أي إشارة صريحة إلى «الإنفاذ الملزم» أو الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة المسلحة. ورغم هذه التنازلات، اعتبرت موسكو النص «متحيزاً»، بينما حذرت بكين من أن السماح للدول باستخدام «كل ما يلزم» قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري إضافي.
التداعيات الاقتصادية والسياسية لاستمرار أزمة مضيق هرمز
تكتسب أزمة مضيق هرمز أهمية استثنائية نظراً لتأثيرها المباشر والعميق على الاقتصاد العالمي. يمر عبر هذا الممر الضيق نحو خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. بالتالي، فإن أي تهديد بإغلاقه أو عرقلة الملاحة فيه ينذر بارتفاعات حادة في أسعار الطاقة العالمية، مما يضغط على الإمدادات ويؤثر على الاقتصادات الكبرى والناشئة. إقليمياً، تزيد هذه التوترات من حالة الاستقطاب؛ فقد حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي «خطوة استفزازية» من قبل المعتدين وأنصارهم داخل مجلس الأمن لن تؤدي إلا إلى تعقيد الوضع. في المقابل، تحظى الجهود الرامية لتأمين المضيق بدعم واسع، حيث أيد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط المساعي البحرينية، واستضافت بريطانيا اجتماعاً ضم أكثر من 40 دولة لمناقشة ضمان المرور الآمن للسفن.
اختبار حقيقي لفاعلية المجتمع الدولي
في هذا السياق، يرى دانيال فورتي، محلل مجموعة الأزمات الدولية، أن الموقف الروسي والصيني يعكس رفضاً لأي قرار يتعامل مع استقرار المضيق كمسألة أمنية فحسب، من دون مقاربة سياسية أوسع تهدف إلى تسوية شاملة ومستدامة للأعمال القتالية في المنطقة. ويبدو أن التصويت المؤجل بات اختباراً صريحاً لقدرة مجلس الأمن على اتخاذ قرارات فعّالة في لحظة بالغة الخطورة، بعيداً عن حسابات الاستقطاب بين القوى الكبرى، وهو ما قد يحدد مسار الأمن البحري في الخليج خلال الأشهر المقبلة.


