تتجه الأنظار نحو العاصمة بيروت في ظل تصاعد الأزمة الدبلوماسية المعقدة، حيث تتفاعل قضية السفير الإيراني في لبنان، محمد رضا شيباني، الذي بات يُعتبر “خارج الخدمة” وفقاً للتصريحات الرسمية. تأتي هذه التطورات في وقت حساس يمر به الداخل اللبناني، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي والأمني المشتعل أصلاً.
الخلفية التاريخية للتمثيل الدبلوماسي وأزمة السفير الإيراني في لبنان
لطالما اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين بيروت وطهران بتوازنات دقيقة، نظراً للترابط الوثيق بين المشهد السياسي اللبناني والتأثيرات الإقليمية. ومع ذلك، اتخذت مساراً غير مسبوق مؤخراً عندما تفجرت أزمة السفير الإيراني في لبنان إثر تقارير أمنية ودبلوماسية حساسة. فقد أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية في وقت سابق أن السفير الإيراني بات “شخصاً غير مرغوب فيه”، وذلك على خلفية أنباء ومعلومات تتحدث عن تورط السفارة في منح عناصر من الحرس الثوري الإيراني جوازات سفر دبلوماسية، وهو ما اعتبرته السلطات اللبنانية انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والأعراف الدبلوماسية الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول.
ورغم صدور قرار رسمي يطالبه بمغادرة الأراضي اللبنانية، وتحديد يوم الأحد الماضي كأقصى موعد لرحيله، رفض شيباني الامتثال للقرار. هذا التمرد الدبلوماسي دفع المرجعيات اللبنانية إلى اتخاذ مواقف حازمة، حيث أوضح قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، في أول تعليق علني له من الصرح البطريركي في بكركي، أن شيباني لم يقدم أوراق اعتماده رسمياً إلى رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية كما تقتضي الأصول، مما يجرده من صفته كسفير فعلي، ويجعله متواجداً في مقر السفارة دون أي مهام رسمية.
الموقف الرسمي اللبناني والتداعيات القانونية
في سياق متصل، شدد العماد عون على متانة علاقته مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، رغم التباينات السياسية في البلاد والانتقادات التي وجهتها بعض الأطراف لقرار طرد السفير. ولم يتردد عون في توجيه انتقادات لاذعة للأصوات المعارضة لنهج التفاوض والحلول الدبلوماسية الرامية لوقف نزيف الحرب، متسائلاً باستنكار: “لمن يقول ماذا سيأتينا من التفاوض، أقول ماذا سيأتينا من حربكم؟”. واتهم تلك الأطراف بالسعي لجر لبنان إلى صراعات مدمرة لا تخدم المصلحة الوطنية، مؤكداً استمرار الاتصالات لإنقاذ ما تبقى من الشعب اللبناني وممتلكاته.
من الناحية القانونية والدبلوماسية، كشفت مصادر مطلعة أن بقاء الدبلوماسي الإيراني داخل الأراضي اللبنانية بعد سحب الاعتراف به ينزع عنه الحصانة الدبلوماسية بالكامل. وبات يُنظر إليه كلاجئ داخل مبنى سفارته، حيث يُعتبر خروجه منها مخالفة للقانون اللبناني بصفته مواطناً أجنبياً مقيماً بطريقة غير شرعية. وأكدت المصادر أنه في حال محاولته مغادرة مقر السفارة، فإن الأجهزة الأمنية اللبنانية ملزمة بتوقيفه وترحيله فوراً. وبناءً على ذلك، سينحصر التمثيل الدبلوماسي الإيراني في بيروت على مستوى “القائم بالأعمال”، التزاماً باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
التأثيرات الإقليمية والدولية في ظل التصعيد العسكري
تتجاوز أهمية هذا الحدث البعد المحلي لتلامس التوترات الإقليمية الأوسع. فمن الجانب الإيراني، أصر المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، في تصريحات سابقة، على أن مبعوث بلاده سيواصل عمله في بيروت متجاهلاً الطلب الحكومي اللبناني. يعكس هذا الموقف تحدياً واضحاً للقرارات السيادية اللبنانية ومحاولة للحفاظ على موطئ قدم دبلوماسي في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد.
تتزامن هذه الأزمة الدبلوماسية مع دخول لبنان شهره الثاني من التصعيد العسكري العنيف. فقد تفجرت الأوضاع الميدانية بعد سلسلة من العمليات العسكرية المتبادلة، حيث أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل رداً على اغتيالات طالت قادة بارزين في محور الممانعة. في المقابل، شنت إسرائيل غارات جوية عنيفة وغير مسبوقة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق واسعة في شرق وجنوب البلاد، وصولاً إلى قلب العاصمة.
ولم يقتصر التصعيد على الجو، بل توغلت القوات الإسرائيلية برياً في عدة مناطق جنوبية، مما أسفر عن تدمير واسع للبلدات الحدودية. وتترافق هذه التحركات مع تهديدات صريحة أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بتدمير عشرات القرى اللبنانية وتجريفها بالكامل، بهدف إقامة منطقة عازلة خالية من المسلحين قد يمتد عمقها ليصل إلى حدود نهر الليطاني، مما يضع لبنان أمام مفترق طرق خطير يهدد كيانه واستقراره.


