مع دخول الحرب في منطقة الشرق الأوسط شهرها الثاني، تتجه الأنظار نحو الصراع الإيراني الإسرائيلي الذي يبدو أنه دخل مرحلة استنزاف مفتوحة ومعقدة. وفي هذا السياق، طرحت مجلة “لونوفيل أوبس” الفرنسية تحليلاً شاملاً يتضمن تساؤلات جوهرية لفهم مسار هذه الأزمة خلال المرحلة القادمة. وأشار التحليل إلى أن النزاع لم يعد محصوراً في نطاق ضيق، بل توسع إقليمياً لتبدأ تداعياته الخطيرة في التأثير المباشر على الأمن القومي لدول المنطقة، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.
جذور التوتر: خلفية تاريخية لعداء ممتد في الصراع الإيراني الإسرائيلي
لفهم طبيعة الصراع الإيراني الإسرائيلي الحالي، يجب العودة إلى الجذور التاريخية لهذا العداء الذي اتخذ أشكالاً متعددة على مدار العقود الماضية. منذ أواخر السبعينيات، تبنت طهران موقفاً معادياً لإسرائيل، وتطور هذا الموقف ليتحول إلى “حرب ظل” استمرت لسنوات طويلة. شملت هذه الحرب هجمات سيبرانية متبادلة، واغتيالات لشخصيات علمية وعسكرية، واستهدافاً للسفن التجارية في المياه الدولية. ومع مرور الوقت، اعتمدت إيران على بناء شبكة من التحالفات الإقليمية، مما جعل أي مواجهة مباشرة بين الطرفين تنذر بإشعال جبهات متعددة في آن واحد، وهو ما نشهده اليوم من تحول حرب الظل إلى مواجهة علنية ومباشرة.
أفق غامض: بين الحسم العسكري والتسوية السياسية
من أبرز التساؤلات التي تطرح نفسها حالياً هي: إلى متى سيستمر هذا الصراع؟ تعكس تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وخاصة وزير الخارجية ماركو روبيو، حالة من الغموض؛ حيث أشار إلى إمكانية تحقيق الأهداف العسكرية خلال أسابيع دون الحاجة إلى تدخل بري واسع. ورغم ترك باب التفاوض مفتوحاً، إلا أن طهران أعلنت مراراً وتكراراً رفضها القاطع لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن. هذا التناقض بين المساعي الدبلوماسية، التي عبر عنها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بأمله في عقد اجتماعات قريبة، وبين التصعيد الميداني، يجعل النهاية القريبة للحرب أمراً مستبعداً.
اتساع رقعة المواجهة ودخول أطراف إقليمية جديدة
لم تعد المواجهة تقتصر على الحدود المباشرة، بل امتدت لتشمل أطرافاً إقليمية فاعلة. فقد دخل الحوثيون في اليمن على خط الأزمة بشكل مباشر، مستهدفين مواقع حساسة داخل إسرائيل. ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل تعرضت منشآت حيوية في دول الخليج العربي لهجمات مقلقة، كان آخرها ما طال محيط موانئ ومطارات في المنطقة. وفي ظل هذه التوترات، تلوح طهران بورقة إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، وتهدد بتوسيع نطاق المعارك نحو ممر بحري حيوي آخر هو مضيق باب المندب، مما ينذر باندلاع مواجهة إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة.
تصعيد خطير نحو البنى التحتية المدنية
يشهد مسار الحرب تحولاً مقلقاً يتمثل في تصاعد التهديدات باستهداف البنى التحتية المدنية، لا سيما في قطاعي الطاقة وتحلية المياه. تبادل الطرفان تهديدات صريحة بضرب منشآت حيوية؛ حيث لوّح الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب باستهداف منشآت كهربائية، في حين هددت إيران بضرب مرافق الطاقة والتكنولوجيا في المنطقة إذا تعرضت للهجوم. هذا التحول ينذر بانتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تدميراً وخطورة على حياة المدنيين.
التداعيات الدولية: أمن الطاقة والاقتصاد العالمي في خطر
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على البعد الإقليمي، بل تمتد لتشمل تأثيرات دولية عميقة. فقد تسببت الحرب في إحداث صدمة واضحة في أسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع حاد ومفاجئ في أسعار النفط. ورغم المخاوف من تكرار سيناريو أزمة النفط عام 1973، إلا أن الاقتصادات الكبرى اليوم تبدو أقل اعتماداً على النفط بفضل التوجه نحو الطاقة النووية والمصادر المتجددة. ومع ذلك، لا تزال التداعيات الاقتصادية قوية، حيث أدى الصراع إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والشحن البحري عالمياً، مما دفع بعض الدول لاتخاذ إجراءات دعم حكومية عاجلة لتخفيف الأثر الاقتصادي على مواطنيها، مما يؤكد أن استقرار الشرق الأوسط يظل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي الدولي.
الساحة اللبنانية: الجبهة الأكثر سخونة وتعقيداً
على الصعيد المحلي والإقليمي المباشر، يبرز الوضع في لبنان كأحد أخطر جبهات التصعيد. فقد تفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق بعد انخراط “حزب الله” في القتال المفتوح. أدى هذا التدخل إلى تصعيد عسكري إسرائيلي واسع النطاق شمل قصفاً مكثفاً بمختلف أنواع الأسلحة على مناطق الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت. وتسعى إسرائيل من خلال محاولات التوغل البري إلى إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها الشمالية. وقد أسفرت هذه العمليات العسكرية، وفقاً للإحصاءات الرسمية، عن سقوط آلاف الضحايا وتشريد أكثر من مليون شخص، مما خلق أزمة إنسانية خانقة تضاف إلى تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.


