في خطوة تعكس تحولات جذرية في هرم السلطة، وبموافقة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، تم تعيين الجنرال محمد باقر ذو القدر في منصب الأمين العام داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. يأتي هذا التعيين الحساس خلفاً لعلي لاريجاني، الذي اغتالته إسرائيل في خضم الحرب الدائرة التي دخلت أسبوعها الرابع، وذلك وفقاً لما نقلته وكالة «تسنيم» عن الرئاسة الإيرانية. يمثل هذا القرار نقطة تحول مفصلية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية في طهران في ظل التصعيد الإقليمي غير المسبوق.
السياق التاريخي والتحولات داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
تأسس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عام 1989 إبان التعديلات الدستورية التي تلت وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية، ليصبح أعلى هيئة لصنع القرار الأمني والسياسي في البلاد. يتولى المجلس رسم السياسات الدفاعية والأمنية وتنسيق الأنشطة السياسية والمخابراتية والاجتماعية والاقتصادية بما يتوافق مع السياسات العامة التي يحددها المرشد الأعلى. وفي ظل التوترات الحالية، والانتقال القيادي إلى مجتبى خامنئي بعد رحيل والده علي خامنئي، تبرز الحاجة الماسة لتوحيد الصفوف الداخلية ومواجهة التهديدات الخارجية. اغتيال شخصية بوزن علي لاريجاني ترك فراغاً سياسياً وأمنياً كبيراً، مما استدعى استدعاء شخصية ذات خلفية عسكرية استراتيجية صلبة قادرة على إدارة الأزمات المعقدة المتمثلة في المواجهة المباشرة مع إسرائيل والضغوط الغربية المستمرة.
السيرة الذاتية والعسكرية للجنرال محمد باقر ذو القدر
يعد محمد باقر ذو القدر، المولود عام 1954 في مدينة فسا، من أبرز الوجوه العسكرية والأمنية في النظام الإيراني. وهو مدرج ضمن قائمة العقوبات الدولية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1747، وذلك بسبب تورطه المباشر في دعم وتطوير البرنامج النووي وبرنامج صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية. بدأ مسيرته مبكراً حيث قاد إحدى اللجان الثورية عام 1978، ولعب دوراً محورياً في تدريب قوات الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية، وتولى قيادة مقر “رمضان” للعمليات خارج الحدود.
بعد انتهاء الحرب، تدرج ذو القدر في مناصب حساسة، حيث ترأس الأركان المشتركة لقوات الحرس الثوري لمدة 8 سنوات في عهد الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني. كما تولى منصب نائب القائد العام للحرس الثوري لثماني سنوات أخرى. لم تقتصر أدواره على الجانب العسكري، بل امتدت للسياسة والأمن الداخلي؛ فقد شغل منصب المساعد السابق لرئيس الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون الباسيج، والمساعد الأمني لوزير الداخلية في حكومة محمود أحمدي نجاد أواخر عام 2007. لاحقاً، انتقل للعمل في السلطة القضائية كمساعد لوزير الحماية الاجتماعية ومنع الجريمة بين عامي 2012 و2020، قبل أن يُعين أميناً لمجمع تشخيص مصلحة النظام في سبتمبر 2021 بقرار من صادق لاريجاني وموافقة المرشد الراحل علي خامنئي.
التداعيات الإقليمية والدولية للتعيين الجديد
يحمل تعيين ذو القدر في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني دلالات واسعة النطاق. على الصعيد المحلي، يعزز هذا الاختيار من قبضة التيار المتشدد والمؤسسة العسكرية على دوائر صنع القرار، مما يضمن ولاء الأجهزة الأمنية للقيادة الجديدة المتمثلة في مجتبى خامنئي. أما إقليمياً، فإن خبرة ذو القدر السابقة في قيادة العمليات العابرة للحدود (مقر رمضان) تشير إلى احتمالية تبني طهران لسياسات أكثر هجومية في دعم حلفائها الإقليميين وإدارة الصراع المفتوح مع إسرائيل، خاصة في ظل الحرب الحالية التي تعصف بالمنطقة.
دولياً، يبعث هذا التعيين برسالة تحدٍ واضحة للمجتمع الدولي، إذ يتم وضع شخصية خاضعة لعقوبات أممية بسبب البرامج النووية والصاروخية على رأس أهم جهاز أمني في البلاد. هذا الأمر قد يعقد أي جهود مستقبلية للدبلوماسية أو استئناف المفاوضات النووية، وينذر بمرحلة جديدة من التصعيد والتمترس الإيراني خلف ترسانتها العسكرية وبرنامجها النووي المثير للجدل.


