تجميد محادثات سلام أوكرانيا في ظل أزمات الشرق الأوسط
في تطور جيوسياسي يعكس مدى ترابط الأزمات العالمية، أفصح مسؤولون روس عن توقف مؤقت في محادثات السلام المحتملة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا. ويأتي هذا التجميد في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع الذي يجمع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد نقلت صحيفة «إزفيستيا» الروسية عن مسؤولين تأكيدهم أن الكرملين يرى في هذا التوقف المؤقت نتيجة حتمية لانشغال واشنطن، معتبرين أن انخراط الغرب في أزمات الشرق الأوسط قد يدفع كييف في النهاية نحو القبول بتسوية سياسية.
الموقف الروسي وتوجيه الاهتمام العالمي
أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن المبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف سيواصل عمله في مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي، إلا أن المحادثات الثلاثية المتعلقة بأوكرانيا متوقفة حالياً. تاريخياً، شهدت الأزمة الأوكرانية عدة محاولات للتفاوض، أبرزها المحادثات التي استضافتها تركيا في بداية الحرب، تلتها جلسات وساطة في أبوظبي وجنيف. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود تصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في المطلب الروسي بتخلي أوكرانيا عن سيطرتها على منطقة دونيتسك الشرقية بأكملها، وهو ما ترفضه كييف بشدة، متمسكة باستعادة كامل أراضيها.
أوروبا تتحمل العبء وتطالب بدور تفاوضي
على الجانب الأوروبي، تتزايد المخاوف من تهميش القارة العجوز. فقد أقر رئيس الوزراء البلجيكي، ألكسندر دي كرو، بأن «أوروبا وحدها هي التي تمول الحرب في أوكرانيا»، مشدداً على أنه من غير الطبيعي ألا يكون الاتحاد الأوروبي حاضراً بقوة على طاولة المفاوضات. وفي تصريحاته للصحفيين قبيل قمة الاتحاد الأوروبي، دعا دي كرو إلى زيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على موسكو. ولتحقيق ذلك، طالب المجر برفع حق النقض (الفيتو) عن حزمة تمويل حيوية لكييف تبلغ قيمتها 90 مليار يورو، والموافقة على حزمة العقوبات العشرين ضد روسيا. وحول تطبيع العلاقات مع موسكو، أوضح دي كرو أن هذه «عملية طويلة الأمد» لن تبدأ إلا بعد إبرام اتفاقية سلام شاملة وعادلة.
تقييم الاستخبارات الأمريكية وحرب الاستنزاف
من منظور عسكري واستخباراتي، قدمت مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية، أفريل هاينز، تقييماً واقعياً أمام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ، حيث أكدت أن روسيا حافظت خلال العام الماضي على تفوقها التكتيكي في حربها ضد أوكرانيا. وأشارت إلى أنه في ظل استمرار المفاوضات غير المباشرة، من المرجح أن تواصل موسكو استراتيجية «حرب الاستنزاف»، بهدف استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية لكييف وإضعاف إرادتها على المقاومة. تعود جذور هذا الصراع إلى عام 2014 مع ضم شبه جزيرة القرم واندلاع القتال في دونباس، قبل أن يتصاعد إلى غزو شامل في فبراير 2022، مما جعلها واحدة من أطول وأعنف الحروب في أوروبا الحديثة.
التداعيات الاقتصادية وتأثير أزمة إيران
لا يقتصر تأثير التوترات مع إيران على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد بقوة إلى الاقتصاد العالمي. فقد صرفت الأزمة في الشرق الأوسط انتباه الإدارة الأمريكية جزئياً عن الساحة الأوكرانية، مما أثر على سرعة اتخاذ القرارات المتعلقة بالدعم العسكري. الأهم من ذلك، أدت المخاوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة تشارك فيها إيران إلى تقلبات حادة وارتفاع في أسعار النفط والغاز عالمياً. وباعتبار روسيا واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للطاقة في العالم، فإن هذا الارتفاع في الأسعار يصب مباشرة في مصلحة الاقتصاد الروسي، مما يوفر لموسكو إيرادات إضافية تساعدها على تمويل آلتها العسكرية وتخفيف وطأة العقوبات الغربية المفروضة عليها.


