تصعيد دبلوماسي في البيت الأبيض
يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاستقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناى تاكايتشي في البيت الأبيض اليوم (الخميس)، في قمة تأتي وسط ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد. وتتجه الأنظار نحو هذه الزيارة التي كان من المفترض أن تركز على تعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية التاريخية بين واشنطن وطوكيو، إلا أن التطورات المتسارعة للحرب الجارية ضد إيران في الشرق الأوسط فرضت نفسها بقوة على جدول الأعمال، محولة اللقاء إلى اختبار دبلوماسي شاق للقيادة اليابانية.
معضلة مضيق هرمز والاعتماد الياباني على الطاقة
من المتوقع أن يستغل ترمب هذا اللقاء للضغط على طوكيو لتقديم دعم عملي وعسكري أكبر، وتحديداً فيما يتعلق بإرسال سفن للمساعدة في إزالة الألغام وتأمين مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. يُعد هذا المضيق شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث أغلقته إيران جزئياً خلال النزاع. وتكتسب هذه الخطوة أهمية قصوى لليابان التي تعتمد على منطقة الشرق الأوسط في استيراد أكثر من 80% من احتياجاتها النفطية، مما يجعل أمن الملاحة في الخليج العربي مسألة أمن قومي ياباني بامتياز.
القيود الدستورية والرفض الأوروبي
تضع هذه المطالب الأمريكية تاكايتشي في موقف سياسي ودستوري معقد. فالدستور السلمي الياباني (تحديداً المادة التاسعة منه) الذي فُرض بعد الحرب العالمية الثانية، يقيد بشدة قدرة طوكيو على المشاركة في عمليات عسكرية خارجية. ورغم المساعي اليابانية السابقة لتخفيف هذه القيود، إلا أن الانخراط في حرب ضد إيران لا يحظى بتأييد شعبي داخلي. ويزيد من تعقيد الموقف استبعاد دول أوروبية كبرى مثل ألمانيا، إيطاليا، وإسبانيا المشاركة في أي مهمة عسكرية في الخليج، مما أثار استياء ترمب وجعله يوجه ضغوطه بشكل مكثف نحو حليفه الآسيوي، واصفاً الدعم السابق بـ«الفاتر».
تباين الأولويات: من الشرق الأوسط إلى بحر الصين
في المقابل، تسعى اليابان إلى إعادة توجيه بوصلة النقاش نحو التحديات الأمنية في شرق آسيا. تعتبر طوكيو أن التوسع العسكري الصيني والتوترات المتصاعدة حول تايوان تمثل التهديد الوجودي الأبرز لأمنها القومي. وتأمل تاكايتشي في إدراج هذه الملفات ضمن أولويات النقاش مع واشنطن، محاولة الموازنة بين إرضاء الحليف الأمريكي الأهم وحماية مصالحها الإقليمية المباشرة.
التعاون الدفاعي والاقتصادي كبديل للتدخل المباشر
لتخفيف حدة الضغوط، تدرس طوكيو تقديم تنازلات في مجالات أخرى. من المتوقع أن يطرح ترمب مطالب لدعم إنتاج أو تطوير مشترك لصواريخ تعوض النقص الحاد في مخزون الأسلحة الأمريكية نتيجة الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا. كما يُرجح أن تعلن اليابان انضمامها إلى مبادرة «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، والتي تهدف إلى رصد وتعقب التهديدات من الفضاء. وعلى الصعيد الاقتصادي، سيتم بحث تنفيذ اتفاقيات تجارية، تعزيز سلاسل الإمداد، وإعلان استثمارات يابانية جديدة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة داخل الولايات المتحدة.
فرص الوساطة الدبلوماسية
أخيراً، تتمتع طوكيو بعلاقات تاريخية مستقرة مع طهران، وهو ما قد يمنحها دوراً محتملاً في الوساطة الدبلوماسية لخفض التصعيد. ورغم أن المحاولات اليابانية السابقة في هذا الاتجاه لم تحقق اختراقات كبرى، إلا أن الدبلوماسية اليابانية قد تلعب هذه الورقة مجدداً لتجنب التورط العسكري المباشر، مع الحفاظ على التزاماتها تجاه التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.


