مقدمة: عودة الروحانية المدنية إلى محراب رسول الله
في خطوة أثلجت صدور الملايين من المسلمين حول العالم، أعاد تعيين الشيخ صالح المغامسي إماماً وخطيباً في المسجد النبوي الشريف إلى الأذهان ذكريات عطرة وروحانية عميقة ارتبطت بالمدرسة المدنية في التلاوة. كل الذين أنصتوا لتلاوة الشيخ صالح المغامسي في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، استعادوا على الفور تلاوة الشيخ الراحل عبدالعزيز بن صالح (رحمه الله). تتميز هذه المدرسة القرآنية العريقة بسمت قرائي فريد وصوت خاشع يلين القلوب، ويملأ الأرواح طمأنينة وسكينة. لقد وهب الله الشيخ المغامسي قدرات استثنائية في حفظ وتلاوة القرآن الكريم بخشوع تام، ونبرة صوت صادقة تستدر دموع المصلين وتبث الهدوء، مما أكسبه مكانة رفيعة ومحبة خالصة لدى أهالي المدينة المنورة وزوارها.
النشأة والمسيرة العلمية للشيخ صالح المغامسي
وُلد الشيخ صالح بن عواد المغامسي في قرية الخيف التابعة لمحافظة بدر، والواقعة غربي المدينة المنورة. أمضى في قريته الهادئة العامين الأولين من حياته، قبل أن يقرر والداه الانتقال إلى المدينة المنورة، حيث استقروا في حي باب الكومة العريق المجاور للمسجد النبوي الشريف. هذا الجوار الطاهر كان له أبلغ الأثر في تكوينه الروحي والعلمي.
بدأ المغامسي رحلته التعليمية في مدرسة الناصرية الابتدائية بنفس الحي الذي يقطنه، ثم واصل دراسته في المرحلة المتوسطة. بعد ذلك، وبناءً على رغبة وتوجيه من والده، التحق بالمعهد العلمي، لينتقل لاحقاً إلى كلية التربية حيث تخصص في اللغة العربية وتخرج منها عام 1405هـ. لم تتوقف مسيرته عند هذا الحد، بل انخرط في سلك التعليم، حيث عمل مدرساً للمرحلة المتوسطة، ثم انتقل لتدريس المرحلة الثانوية في عام 1412هـ. تدرج في المناصب التعليمية ليصبح مشرفاً تربوياً في إدارة تعليم المدينة المنورة حتى عام 1418هـ، ليعود بعدها إلى أروقة الأكاديمية كمعيد في كلية التربية، واستمر في عطائه الأكاديمي حتى تقاعده في عام 1438هـ.
منبر مسجد قباء: الانطلاقة والتأثير الإقليمي
طيلة فترة تقلده للعديد من المناصب العلمية والإدارية، كان للشيخ المغامسي اهتمام بالغ وشغف خاص بالدراسات الإسلامية والتفسير، حيث تتلمذ على يد نخبة من كبار العلماء. تجلى هذا الاهتمام عندما كُلف بالإمامة والخطابة في مسجد قباء، أول مسجد أُسس على التقوى في الإسلام. أمضى الشيخ في محراب قباء قرابة 14 عاماً، يؤم المصلين، ويلقي خطب الجمعة، ويقدم دروساً علمية ودعوية منهجية استمرت حتى عام 1441هـ.
خلال تلك الفترة، لم يقتصر تأثير الشيخ المغامسي على النطاق المحلي في المدينة المنورة فحسب، بل امتد تأثيره إقليمياً ودولياً. أصبحت دروسه ومحاضراته، خاصة في مجال التفسير والتأملات القرآنية، تُبث عبر القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، مما جعل منه واحداً من أبرز الدعاة المعاصرين في العالم الإسلامي. كان المصلون يحرصون أشد الحرص على أداء الصلوات خلفه في مسجد قباء، وحضور مجالسه التي تميزت بالعمق اللغوي والصفاء الروحي.
التعيين في المسجد النبوي: تتويج لمسيرة عطاء
في الرابع من شهر رمضان المبارك من هذا العام، صدر الأمر الكريم بتعيين الشيخ صالح المغامسي إماماً وخطيباً في المسجد النبوي الشريف. يمثل هذا التعيين تتويجاً لمسيرة طويلة من العطاء العلمي والدعوي، ويعكس حرص القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية على اختيار الكفاءات العلمية المتميزة والأصوات الخاشعة لإمامة المسلمين في الحرمين الشريفين.
إن انتقال الشيخ المغامسي ليكمل رحلته الإيمانية في إمامة المصلين بمسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام، يحمل أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً. فعلى المستوى المحلي، قوبل القرار بفرحة غامرة من أهالي المدينة المنورة الذين ألفوا صوته ودروسه. وعلى المستوى الدولي، سيتمكن ملايين المسلمين الذين يفدون إلى المسجد النبوي سنوياً، أو يتابعون الصلوات عبر البث المباشر، من الاستماع إلى تلاواته الخاشعة وخطبه المؤثرة، مما يعزز من رسالة الحرمين الشريفين في نشر الوسطية والاعتدال والروحانية الصافية في كافة أرجاء المعمورة.


