تحذيرات من تكرار “الدرس المرير”
وجه أكراد شمال شرق سوريا تحذيرات شديدة اللهجة إلى نظرائهم الإيرانيين، محذرين إياهم من مغبة الانخراط في تحالفات عسكرية غير مدروسة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي هذه التحذيرات بناءً على ما وصفوه بـ “الدرس المرير” الذي عاشوه في سوريا، والذي كشف عن هشاشة الاعتماد على القوى الخارجية في مواجهة الأنظمة الإقليمية المتجذرة، مؤكدين أن المصالح الدولية تتغير بسرعة وتترك الحلفاء المحليين في مواجهة مصير مجهول.
السياق التاريخي: التجربة الكردية السورية
لفهم أبعاد هذا التحذير، يجب العودة إلى السياق التاريخي القريب. فقد تحالف الأكراد في سوريا، وتحديداً قوات سوريا الديمقراطية، مع واشنطن في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي. ورغم التضحيات الكبيرة والنجاحات العسكرية الميدانية، واجه الأكراد خيبات أمل متكررة عندما اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قرارات مفاجئة بالانسحاب الجزئي أو التخلي عن دعمهم في مواجهة العمليات العسكرية التركية المتتالية. هذا الواقع جعل القيادات الكردية السورية تدرك أن المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى تتفوق دائماً على التحالفات التكتيكية مع الفصائل المحلية.
مخاوف أكراد إيران والبحث عن ضمانات
في هذا السياق، أكدت مصادر كردية مطلعة أن القادة الأكراد الإيرانيين يدركون تماماً مخاطر التعرض لـ “الخيانة” السياسية أو التخلي عنهم في منتصف الطريق، تماماً كما حدث مع الأكراد السوريين. هذا الإدراك العميق دفعهم إلى اشتراط الحصول على ضمانات أمريكية واضحة ومكتوبة قبل الإقدام على أي تحرك عسكري محتمل ضد طهران، رغم عدم الكشف عن طبيعة هذه الضمانات المطلوبة حتى الآن.
من جانبه، شدد أحمد بركات، رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، على ضرورة توخي أقصى درجات الحذر. وأكد بركات في تصريحاته أن الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية شاملة مع النظام الإيراني في الوقت الراهن، وبدون غطاء دولي مضمون، قد يلحق أضراراً جسيمة بمصالح الأكراد، ويعرض مناطقهم لدمار محقق لا تحمد عقباه.
التأثير الإقليمي والدولي للتحركات الكردية
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي. إقليمياً، تتواجد فصائل المعارضة الكردية الإيرانية بشكل رئيسي في إقليم كردستان العراق، وهو ما يضع الإقليم تحت ضغط مزدوج من قبل طهران التي تشن هجمات صاروخية متكررة على تلك المقرات، ومن قبل الحكومة المركزية في بغداد. أي تصعيد عسكري بدعم أمريكي سيؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وقد يدفع إيران إلى ردود فعل عنيفة داخل وخارج حدودها.
دولياً، تراقب الولايات المتحدة والقوى الغربية الوضع عن كثب. فالورقة الكردية طالما كانت جزءاً من معادلة الضغط على طهران، خاصة في ظل تعثر المفاوضات النووية والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن واشنطن تبدو حذرة أيضاً في تقديم التزامات طويلة الأمد قد تورطها في صراع مباشر ومفتوح مع إيران.
خلاصة الموقف الكردي: الحذر أولاً
في النهاية، تعكس هذه التحذيرات نضجاً سياسياً متزايداً لدى الحركات الكردية في المنطقة. لقد أصبحت هذه الحركات تدرك أن الوعود الشفهية والتحالفات المؤقتة لا تكفي لضمان البقاء أو تحقيق الطموحات السياسية. وبات “الحذر أولاً” هو الشعار السائد، حيث يفضل الأكراد الحفاظ على مكتسباتهم الحالية بدلاً من الدخول في مغامرات عسكرية قد تنتهي بتكرار مآسي الماضي، مؤكدين أن أي تحالف مستقبلي يجب أن يُبنى على مصالح مشتركة وضمانات دولية ملزمة.


