حذر مراقبون دوليون من أن المرحلة الثانية من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد تكون أشد خطورة من المرحلة الحالية، مع بروز مؤشرات قوية على تحول التكتيكات الإيرانية نحو حرب المسيّرات بشكل مكثف. ويرجح الخبراء في مركز الدراسات الدولية أن تشهد الفترة المقبلة انخفاضاً في الاعتماد على الصواريخ الباليستية لصالح الطائرات المسيرة، نظراً لفعاليتها في استنزاف الخصم وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالأنظمة الصاروخية المعقدة.
عقيدة القتال غير المتكافئ وتاريخ التطوير
لم يكن التحول نحو سلاح الجو المسير وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من العقيدة العسكرية الإيرانية التي ركزت على "الحرب غير المتكافئة". ففي ظل العقوبات الدولية التي حدت من قدرة طهران على تحديث سلاحها الجوي التقليدي، استثمرت إيران بكثافة في تطوير برامج الطائرات بدون طيار منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحاً نسبياً لطهران في ساحات إقليمية مختلفة، مما جعلها تعتمد عليها اليوم كركيزة أساسية لتهديد العمق الاستراتيجي لخصومها دون الحاجة لمواجهات جوية مباشرة قد تكون خاسرة.
استنزاف الدفاعات: تكتيك حرب المسيّرات الجديد
يرى المحللون أن خطورة المرحلة المقبلة تكمن في استراتيجية "الإغراق الجوي"، حيث قد تلجأ طهران إلى تنفيذ موجات متقطعة ومكثفة من الهجمات بدلاً من الضربات الصاروخية الضخمة والوحيدة. وتشير التوقعات إلى إمكانية إطلاق ما بين 20 إلى 40 مسيّرة في الهجمة الواحدة، وتكرار ذلك عدة مرات أسبوعياً. ووفقاً لتحليلات مؤسسة "RAND Corporation"، فإن الهدف الرئيسي للدول التي تعتمد حرب المسيّرات هو إجبار الخصم على استنفاذ مخزونه من صواريخ الاعتراض باهظة الثمن، وإنهاك أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، فضلاً عن كشف نقاط الضعف في الرادارات.
وقد عزز هذا التوجه الغارات الأخيرة التي طالت عشرات منصات الإطلاق الصاروخية الإيرانية، مما دفع طهران للبحث عن بدائل أسهل في الإخفاء والإطلاق، مثل المسيرات الانتحارية التي تتميز برخص تكلفة الإنتاج وسهولة إطلاقها من منصات متحركة ومتعددة.
المخاطر الجيوسياسية وتوسع دائرة النار
تتجاوز مخاوف حرب المسيّرات الجانب العسكري المباشر لتشمل تداعيات جيوسياسية خطيرة قد تؤدي إلى توسع رقعة الحرب جغرافياً. وتزداد هذه المخاوف مع احتمالية دخول أطراف أخرى في النزاع، خصوصاً بعد التنديدات الصادرة عن تركيا وأذربيجان بشأن اختراق المسيرات الإيرانية لأجوائهما. هذا التوسع لا يهدد فقط الأمن الإقليمي، بل يضع البنية التحتية الحيوية في المنطقة، مثل منشآت الطاقة والمطارات والموانئ، في دائرة الاستهداف المباشر، مما قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية وأسواق الطاقة.
فواتير الحرب الباهظة والمواقف السياسية
على الصعيد الاقتصادي، لفت المعهد الأمريكي "CSIS" إلى التكلفة العالية للصراع، مشيراً إلى أن طهران أطلقت ما يقارب 2700 صاروخ ومسيرة بتكلفة مليارات الدولارات. في المقابل، أبلغ مسؤولو "البنتاغون" الكونغرس الأمريكي أن الأسبوع الأول فقط من الحرب كلف واشنطن نحو 6 مليارات دولار، وسط توقعات بطلب تمويل إضافي من الإدارة الأمريكية.
تأتي هذه التطورات وسط تصعيد سياسي، حيث أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استمرار الضربات حتى استسلام إيران "بلا شروط"، بينما توعد الحرس الثوري الإيراني بـ"الصمود في هذه الحرب الضارية لمدة 6 أشهر"، مما ينذر بصراع طويل الأمد قد يغير شكل التوازنات في الشرق الأوسط.


