قد تؤدي التوترات العسكرية المتصاعدة مع إيران إلى إدخال المستهلكين والشركات حول العالم في دوامة من الأزمات الاقتصادية، حيث يُتوقع أن يستمر ارتفاع أسعار الطاقة لأسابيع أو حتى شهور، بغض النظر عن سرعة انتهاء الصراع الذي اندلع مؤخراً. وتأتي هذه التوقعات القاتمة في ظل المصاعب اللوجستية التي سيواجهها الموردون في التعامل مع المنشآت المتضررة، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع مخاطر الشحن البحري في الممرات الحيوية.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وتأثيرها التاريخي
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق الجغرافي والسياسي للمنطقة. يُعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لتدفق النفط العالمي، حيث يمر عبره ما يقرب من خمس استهلاك العالم من النفط السائل. تاريخياً، ارتبطت أي اضطرابات في هذا الممر المائي بقفزات فورية في الأسواق العالمية، مما يعيد للأذهان أزمات الطاقة الكبرى التي شهدها العالم في العقود الماضية. إن أي تهديد بإغلاق هذا المضيق لا يعني فقط تأخر الشحنات، بل يعني شللاً في عصب الاقتصاد الصناعي العالمي، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة للأسواق تجاه أي تحركات عسكرية في تلك الرقعة الجغرافية.
تداعيات أسعار الطاقة على المشهد الانتخابي الأمريكي
يمثل هذا السيناريو تهديداً أوسع نطاقاً للاقتصاد العالمي، فضلاً عن كونه نقطة ضعف سياسية حرجة للرئيس الأميركي دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي. من المعروف في السياسة الأمريكية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين أسعار الوقود ورضا الناخبين؛ فارتفاع الفواتير يؤثر بشكل مباشر على جيوب المواطنين، مما يدفعهم غالباً لمعاقبة الحزب الحاكم في صناديق الاقتراع. ومع تأثر الناخبين الشديد بزيادة تكاليف المعيشة ورفضهم للتدخلات الخارجية المكلفة، يجد ترمب نفسه أمام تحدٍ صعب للموازنة بين السياسة الخارجية والاستقرار الاقتصادي الداخلي.
وفي هذا السياق، ذكر محللو بنك "جي بي مورغان" في مذكرة بحثية حديثة أن السوق بدأت تتحول من مجرد حساب تأثير المخاطر الجيوسياسية البحتة إلى التعامل مع الاضطرابات التشغيلية الملموسة. إذ بدأت عمليات إغلاق المصافي وقيود التصدير في إعاقة معالجة الخام وتدفقات الإمدادات الإقليمية بشكل فعلي، مما ينقل الأزمة من مرحلة التهديد اللفظي إلى الضرر الاقتصادي الواقع.
تعطل الإمدادات في الخليج: أرقام وحقائق
أدى الصراع بالفعل إلى تعليق نحو خمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي العالمية، مع استهداف طهران لسفن تجارية في مضيق هرمز الحيوي بين سواحلها وسلطنة عمان، وشنها هجمات ممنهجة على البنية التحتية للطاقة في أنحاء المنطقة. وقد انعكس ذلك فورياً على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 24% الأسبوع الماضي متجاوزة حاجز الـ 90 دولاراً للبرميل، وهي في طريقها لتحقيق أكبر مكاسب أسبوعية منذ جائحة كورونا، مما رفع أسعار الوقود للمستهلكين في جميع أنحاء العالم.
ويعني الإغلاق شبه الكامل للمضيق أن كبار منتجي النفط في المنطقة -السعودية والإمارات والعراق والكويت- اضطروا إلى تعليق إرسال شحنات تصل إلى 140 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل الطلب العالمي خلال 1.4 يوم تقريباً، إلى مصافي التكرير العالمية. وأوضح محللون ومتعاملون أنه نتيجة لذلك، تمتلئ خزانات النفط والغاز في منشآت منطقة الخليج بسرعة فائقة، مما أجبر حقول النفط في العراق على خفض الإنتاج، ومن المرجح أن تتخذ الكويت والإمارات هذه الخطوة تالياً لتجنب تخمة التخزين المحلي.
التحديات المستقبلية لاستعادة استقرار السوق
أشار مصدر في شركة نفط حكومية في المنطقة، طلب عدم الكشف عن اسمه، إلى خطورة الوضع قائلاً: "في مرحلة ما قريباً، سيضطر الجميع أيضاً إلى الإغلاق إذا لم تأتِ السفن لنقل المخزون". ومن جانبه، أكد أمير زمان، رئيس الفريق التجاري لمنطقة الأميركتين في شركة "ريستاد إنرجي"، أن التحدي لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، موضحاً أن "حقول النفط التي اضطرت إلى الإغلاق في أنحاء الشرق الأوسط نتيجة لاضطرابات الشحن قد تستغرق بعض الوقت للعودة إلى وضعها الطبيعي"، مما يعني أن أثر الأزمة سيمتد لفترة أطول مما يتوقعه السياسيون.


