تتجه أنظار العالم بأسره، وليس الداخل الإيراني فحسب، صوب طهران ترقباً لقرار مصيري سيحدد مسار الجمهورية الإسلامية لعقود قادمة. فقد أنهى مجلس خبراء القيادة عملية تصويت سرية ومكتوبة لاختيار المرشد الجديد لإيران، في خطوة جاءت وسط ظروف أمنية استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة والهجمات التي طالت مواقع حساسة في العاصمة طهران ومدينة قم خلال الأيام القليلة الماضية.
كواليس التصويت السري والظروف الأمنية
أكدت مصادر مطلعة ووكالات أنباء إيرانية أن مجلس القيادة المؤقت، برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان، عقد اجتماعاً طارئاً لبحث آلية انعقاد مجلس خبراء القيادة، وهي الهيئة الدستورية المخولة باختيار الولي الفقيه. ونظراً للظروف الأمنية القاهرة التي حالت دون عقد اجتماع حضوري تقليدي، خاصة بعد تعرض مكتب مجلس الخبراء في قم والمبنى القديم للمجلس في منطقة باستور بطهران للقصف، تقرر اعتماد آلية تصويت استثنائية.
وقد تمت عملية الاقتراع عبر وسائل افتراضية وآليات مكتوبة ومختومة لضمان توثيق أصوات الأعضاء الـ 88، وحفظ السجل التاريخي لهذه اللحظة الفارقة، ولتفادي أي جدل قانوني أو شرعي مستقبلاً حول صحة الاختيار. وتشير التقارير إلى أن هوية المرشد المنتخب لا تزال طي الكتمان، مع توقعات بصدور الإعلان الرسمي خلال الساعات القليلة القادمة.
الأبعاد التاريخية والدستورية لانتقال السلطة
يكتسب هذا الحدث أهميته القصوى من الطبيعة الدستورية لنظام الحكم في إيران، حيث يتمتع المرشد الأعلى بصلاحيات واسعة تشمل السيادة على القوات المسلحة، والقضاء، والإعلام الرسمي، ورسم السياسات العامة للنظام. تاريخياً، لم تشهد إيران سوى عملية انتقال واحدة للسلطة بهذا الحجم في عام 1989، عقب وفاة مؤسس الجمهورية روح الله الخميني واختيار علي خامنئي خلفاً له.
وتعيد هذه اللحظة الراهنة إلى الأذهان الترتيبات الدقيقة التي رافقت انتقال السلطة آنذاك، إلا أن التحديات اليوم تبدو أكثر تعقيداً. فمجلس الخبراء، الذي يتم انتخاب أعضائه كل ثماني سنوات، يواجه اختباراً حقيقياً لتماسكه وقدرته على اختيار شخصية تحظى بإجماع التيارات الداخلية المتنافسة، وتستطيع في الوقت نفسه إدارة دفة البلاد وسط أمواج إقليمية عاتية.
ضغوط داخلية لإنهاء "الارتباك السياسي"
في سياق متصل، برزت دعوات من المرجعيات الدينية للإسراع في حسم الملف. فقد نقلت وكالة "تسنيم" رسالة عاجلة من المرجع الديني آية الله مكارم الشيرازي إلى أعضاء مجلس الخبراء، شدد فيها على ضرورة الإسراع في اختيار المرشد الجديد لإيران. واعتبر الشيرازي أن التأخير قد يفاقم حالة "الارتباك السياسي"، مؤكداً أن الحسم السريع سيعزز السلطة الوطنية ويسهم في استعادة الاستقرار الداخلي وتنظيم شؤون البلاد بشكل أفضل.
المرشد الجديد لإيران وتأثيرات المشهد الجيوسياسي
لا يقتصر صدى هذا الاختيار على الداخل الإيراني، بل يمتد ليشمل المشهد الإقليمي والدولي برمته. فالمرشد القادم سيرث ملفات شائكة، أبرزها البرنامج النووي، والعلاقات مع الغرب، وإدارة شبكة التحالفات الإقليمية أو ما يعرف بـ"محور المقاومة". يترقب المجتمع الدولي، وخاصة القوى الغربية ودول الجوار، معرفة التوجهات الأيديولوجية والسياسية للقائد الجديد، حيث سيحدد هذا الاختيار ما إذا كانت طهران ستتجه نحو التصعيد والمواجهة، أم ستبحث عن مسارات للتهدئة الدبلوماسية.
الموقف الأمريكي: ترامب يرفض سيناريو التوريث
على الصعيد الدولي، دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة عبر تصريحات للرئيس دونالد ترامب، الذي أبدى رفضاً قاطعاً لاحتمالية تولي مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، منصب القيادة. ووصف ترامب، مساء الخميس الماضي، مجتبى بأنه "شخصية ضعيفة" وأن اختياره نتيجة "غير مقبولة" لواشنطن.
وأكد ترامب رغبته في رؤية قائد "يجلب السلام والانسجام"، محذراً من أن استمرار السياسات السابقة سيجبر الولايات المتحدة على خيارات صعبة قد تصل إلى الحرب خلال سنوات قليلة. يعكس هذا الموقف الأمريكي رغبة واشنطن في "الانخراط شخصياً" أو التأثير غير المباشر في عملية الانتقال، لضمان صعود قيادة قد تكون أكثر مرونة في التعامل مع الملفات العالقة.


