في تطور لافت يعكس عمق الأزمة الدبلوماسية في منطقة القوقاز، أعلن وزير خارجية أذربيجان، جيهون بيراموف، اليوم (الجمعة)، أن بلاده قررت سحب دبلوماسييها من إيران حفاظاً على سلامتهم. تأتي هذه الخطوة التصعيدية في ظل التوتر بين أذربيجان وإيران، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان باكو عن اختراق 4 طائرات مسيرة إيرانية لأجوائها وإصابة 4 أشخاص في جيب ناخيتشفان (نخجوان) المتمتع بالحكم الذاتي.
وأوضح الوزير أن عملية الإجلاء تشمل موظفي السفارة في طهران والقنصلية العامة في تبريز، مؤكداً أن هذا الإجراء ضروري لضمان أمن البعثة الدبلوماسية. وكان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قد وجه اتهامات مباشرة لطهران يوم الخميس، واصفاً الحادث بأنه «عمل إرهابي وعدواني لا مبرر له»، ومصدراً تعليمات لجيشه بالاستعداد لتنفيذ تدابير انتقامية، مشدداً على أن الهجوم لن يمر «بدون رد».
خلفيات الصراع والتحالفات المتشابكة
لا يمكن قراءة هذا الحادث بمعزل عن السياق التاريخي والجيوسياسي المعقد الذي يحكم العلاقة بين الجارتين. لطالما نظرت طهران بعين الريبة إلى العلاقات العسكرية والاستراتيجية المتنامية بين باكو وتل أبيب، حيث تعتبر إيران أن أذربيجان قد تتحول إلى منصة متقدمة للمخابرات الإسرائيلية، وهو ما نفته باكو مراراً. في المقابل، تتهم أذربيجان إيران بدعم أرمينيا ومحاولة زعزعة استقرارها الداخلي.
علاوة على ذلك، يشكل العامل الديموغي حساسية مفرطة لدى طهران، حيث يعيش ملايين من العرقية الأذرية في شمال غرب إيران، وتخشى السلطات الإيرانية من أي نزعات انفصالية قد تغذيها نجاحات أذربيجان العسكرية والاقتصادية. وقد تفاقم هذا القلق بعد حرب قرة باغ الثانية عام 2020، التي غيرت موازين القوى في المنطقة لصالح باكو.
تداعيات التوتر بين أذربيجان وإيران على استقرار المنطقة
من المتوقع أن يلقي هذا التصعيد بظلاله على المشهد الإقليمي والدولي. فمن جهة، سارعت تركيا، الحليف الاستراتيجي لباكو، لإدانة الهجوم بشدة، محذرة من تمدد النزاع، مما يشير إلى أن أي مواجهة محتملة قد لا تبقى محصورة بين البلدين. ومن جهة أخرى، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تورط بلاده، متهماً إسرائيل بمحاولة تخريب العلاقات بين طهران وجيرانها لصرف الأنظار عن أزماتها.
إن استمرار التوتر بين أذربيجان وإيران قد يهدد ممرات الطاقة والنقل الحيوية التي تربط آسيا بأوروبا، خاصة مشروع ممر «شمال-جنوب». ومع مطالبة الخارجية الأذربيجانية بتفسيرات رسمية حول سقوط المسيرات قرب مطار ناخيتشفان الدولي، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة من الجمود الدبلوماسي قد تتطلب وساطات دولية عاجلة لمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة.


