دخل التصعيد بين باكستان وطالبان مرحلة هي الأكثر خطورة وحساسية منذ سنوات، حيث تحولت التوترات من مجرد مناوشات حدودية متفرقة إلى عمليات عسكرية مباشرة ومتبادلة تهدد استقرار المنطقة بأسرها. وقد دافع الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري بقوة عن الضربات العسكرية الجوية التي تنفذها بلاده داخل الأراضي الأفغانية، مؤكداً أن إسلام آباد استنفدت كافة المسارات الدبلوماسية المتاحة قبل اللجوء إلى خيار القوة الصعب، في إشارة واضحة وصريحة إلى نفاد صبر القيادة الباكستانية تجاه ما تصفه بتقاعس حكومة كابل المؤقتة عن ضبط الحدود ومنع الهجمات العابرة.
جذور الأزمة التاريخية وإشكالية خط دوراند
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى الوراء للنظر في السياق التاريخي المعقد للعلاقة بين الجارتين. لطالما شكل "خط دوراند"، الذي رسمه الاستعمار البريطاني عام 1893 كحد فاصل بين الهند البريطانية (باكستان حالياً) وأفغانستان، نقطة خلاف جوهرية؛ حيث ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها حكومة طالبان الحالية، الاعتراف به كحدود دولية رسمية. هذا الرفض التاريخي يجعل من أي تحرك عسكري باكستاني بالقرب من هذا الخط بمثابة استفزاز صارخ للسيادة الأفغانية من وجهة نظر كابل، ويؤجج المشاعر القومية لدى القبائل القاطنة على جانبي الحدود.
علاوة على ذلك، تعمقت الفجوة بعد عودة طالبان للسلطة في كابل عام 2021. فبينما كانت إسلام آباد تأمل في تأمين حدودها الغربية، حدث العكس تماماً، حيث تتهم باكستان جارتها بتوفير ملاذات آمنة لمقاتلي "حركة طالبان باكستان" (TTP) المحظورة. وتعتبر إسلام آباد أن كابل نكثت بوعودها الواردة في اتفاق الدوحة، والتي تنص على عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية كمنصة لتهديد أمن دول الجوار، وهو ما أدى إلى تصاعد الهجمات الدموية داخل المدن الباكستانية بشكل غير مسبوق.
تطورات التصعيد بين باكستان وطالبان والمواجهات الميدانية
في سياق المواجهة الحالية، دعا الرئيس زرداري حكومة طالبان إلى اتخاذ خطوات جدية لتفكيك الجماعات المسلحة التي تنطلق من أراضيها، مشدداً على أن مبدأ السيادة لا يعني القبول بهجمات متسلسلة تهدد الأمن القومي. وتأتي هذه التصريحات وسط تبادل كثيف للنيران، حيث أعلنت باكستان أنها في حالة حرب مفتوحة لحماية مواطنيها. ميدانياً، تحدثت تقارير إسلام آباد عن مقتل مئات من القوات الأفغانية والسيطرة على مواقع استراتيجية، بينما أكدت تقارير أفغانية ووكالة الصحافة الفرنسية استهداف الطيران الباكستاني لمواقع حساسة وسقوط ضحايا مدنيين، مما يشير إلى اتساع رقعة النار لتشمل مناطق حيوية مثل محيط قاعدة باغرام.
من جانبها، لم تقف كابل مكتوفة الأيدي، حيث أكدت أن قواتها عبرت الخط الفاصل وخاضت اشتباكات عنيفة داخل الأراضي الباكستانية رداً على الغارات، في تطور ميداني يعكس جاهزية الحركة للتصعيد العسكري بدلاً من التهدئة الدبلوماسية، مع استمرار العمليات لليوم الرابع على التوالي وفقاً لما نقلته وكالة «أسوشيتد برس».
التداعيات الجيوسياسية ومخاطر الفراغ الأمني
لا تقتصر خطورة هذا الصراع على الجانبين فحسب، بل تمتد لتشمل تداعيات إقليمية ودولية بالغة الخطورة. سياسياً، يعكس هذا التدهور انهيار اتفاقيات سابقة لوقف إطلاق النار وفشل الوساطات الإقليمية. أما أمنياً، فإن استمرار المعارك يهدد بخلق فراغ أمني في المنطقة الحدودية الرخوة، وهو ما قد تستغله تنظيمات متشددة عابرة للحدود مثل "تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان" وتنظيم القاعدة لإعادة تجميع صفوفها وتجنيد مقاتلين جدد، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الدولي وليس لجنوب آسيا فقط.
اقتصادياً واستراتيجياً، تثير هذه الاضطرابات قلق القوى الكبرى، وتحديداً الصين، التي تخشى من تأثير الفوضى الأمنية على مشاريع "الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني" (CPEC)، الذي يعد ركيزة أساسية في مبادرة الحزام والطريق. ويراقب المجتمع الدولي تطورات المشهد بحذر شديد، خشية تحول المنطقة إلى بؤرة صراع مفتوح قد يؤدي إلى موجات نزوح جماعية جديدة وأزمات إنسانية تفاقم من معاناة الشعبين الأفغاني والباكستاني اللذين يعانيان أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة.


