شهدت الساعات الماضية تصعيداً خطيراً في حدة التوتر بين أذربيجان وإيران، وذلك عقب حادثة أمنية تمثلت في سقوط طائرات مسيرة داخل إقليم ناخيتشفان الأذربيجاني المحاذي للحدود الإيرانية. هذا التطور دفع باكو إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية وأمنية صارمة، ملوحة برد انتقامي، في حين سارعت طهران إلى نفي مسؤوليتها، موجهة أصابع الاتهام إلى إسرائيل بمحاولة إشعال فتيل الأزمة بين الجارتين.
تفاصيل الحادثة والوعيد الأذربيجاني
أكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي، أن بلاده لن تتسامح مع ما وصفه بـ «العمل الإرهابي والعدواني غير المبرر». وأوضحت السلطات في باكو أن المسيرات اخترقت الحدود وسقطت في مناطق حساسة، حيث أصابت إحداها مبنى الركاب في مطار ناخيتشفان الدولي، بينما سقطت أخرى قرب مدرسة في قرية شكر آباد، مما أسفر عن إصابات طفيفة وأضرار مادية.
ورداً على ذلك، استدعت الخارجية الأذربيجانية السفير الإيراني لتقديم احتجاج رسمي شديد اللهجة، وأعلنت إغلاق مجالها الجوي الجنوبي والمعابر الحدودية أمام حركة الشحن، في خطوة تعكس عمق الأزمة الحالية.
جذور الخلاف: أبعاد جيوسياسية معقدة
لا يمكن قراءة هذا الحادث بمعزل عن السياق التاريخي والجيوسياسي للعلاقات بين البلدين. فلطالما شابت العلاقات حالة من عدم الثقة، تغذيها تحالفات باكو الاستراتيجية مع إسرائيل، التي تعتبرها طهران تهديداً مباشراً لأمنها القومي. كما أن نتائج حرب قرة باغ الثانية عام 2020، وتغير موازين القوى في جنوب القوقاز، أثارت مخاوف إيرانية من احتمال قطع تواصلها الجغرافي مع أرمينيا عبر ما يعرف بـ «ممر زنغزور» الذي تسعى أذربيجان لفتحه.
وتنظر طهران بعين الريبة إلى المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها أذربيجان مع تركيا ودول أخرى قرب حدودها، في حين تتهم باكو جارتها الجنوبية بدعم جماعات دينية متشددة داخل أذربيجان ومحاولة زعزعة استقرار نظامها العلماني.
الرواية الإيرانية والبحث عن «الطرف الثالث»
في المقابل، نفت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية إطلاق أي مسيرات باتجاه الأراضي الأذربيجانية. وخلال اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، أكد عباس عراقجي لنظيره الأذربيجاني جيحون بيراموف أن طهران لم تنفذ أي عمليات عدائية، مشيراً إلى أن مثل هذه الحوادث تحمل بصمات «الكيان الإسرائيلي» بهدف تخريب العلاقات بين الدول الإسلامية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.
تداعيات التوتر بين أذربيجان وإيران على المنطقة
يحمل استمرار التوتر بين أذربيجان وإيران مخاطر وتداعيات تتجاوز حدود البلدين لتشمل الإقليم بأسره. فعلى الصعيد الاقتصادي، يؤدي إغلاق المعابر الحدودية إلى تعطيل حركة التجارة في ممر «الشمال-الجنوب» الحيوي الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران وأذربيجان، مما يضر بمصالح موسكو الاقتصادية في وقت حرج.
أما عسكرياً، فإن أي انزلاق نحو مواجهة مباشرة قد يستدعي تدخل قوى إقليمية كبرى مثل تركيا، الحليف الوثيق لأذربيجان، وروسيا التي تمتلك قواعد عسكرية في أرمينيا، مما يحول جنوب القوقاز إلى ساحة صراع دولي مفتوحة، وهو سيناريو تحاول الدبلوماسية الدولية تجنبه بكل الوسائل.


