في الوقت الذي يصر فيه القادة الإيرانيون في العلن على رفضهم القاطع للتفاوض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، كشفت تقارير صحفية مفاجأة من العيار الثقيل تفيد بأن إيران تتواصل مع CIA بشكل سري. ووفقاً لمسؤولين تحدثوا لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية فتحوا قنوات اتصال غير مباشرة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عبر جهاز استخبارات لدولة ثالثة، وذلك بعد يوم واحد فقط من اندلاع الحرب، في محاولة يائسة للبحث عن مخرج للأزمة المتفاقمة.
جذور التوتر والعلاقات المعقدة
لفهم دلالات هذه الخطوة، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات بين واشنطن وطهران، التي اتسمت بالعداء المستمر منذ الثورة الإيرانية عام 1979. لقد شهدت العقود الماضية محطات من التصعيد والتهدئة، أبرزها الاتفاق النووي عام 2015 الذي انسحب منه ترمب في ولايته الأولى، متبنياً سياسة «الضغوط القصوى». وتأتي هذه التحركات السرية الحالية في ظل مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الحروب بالوكالة، بل تحولت إلى صراع مباشر يهدد استقرار النظام الإيراني من الداخل، مما يفسر اللجوء إلى القنوات الخلفية رغم الخطاب الثوري المتشدد.
كواليس الرسائل السرية والشكوك الأمريكية
أفاد التقرير بأن المسؤولين الأمريكيين ينظرون بعين الريبة لهذه الاتصالات، مشككين في جدية أو قدرة أي طرف في طهران أو إدارة ترمب على إيجاد مخرج فعلي للأزمة في المدى القريب. وتكمن المعضلة الأساسية في التساؤل حول قدرة المسؤولين الإيرانيين الحاليين على تثبيت أي اتفاق لوقف إطلاق النار، خاصة في ظل حالة الفوضى العارمة التي تعيشها طهران، بالتزامن مع الضربات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مفاصل القيادة والسيطرة، مما خلق فراغاً في اتخاذ القرار.
تداعيات الحرب ومخاوف السيناريو الليبي
تتجاوز أهمية هذا الحدث البعد الثنائي بين واشنطن وطهران لتشمل تداعيات إقليمية ودولية خطيرة. فبينما يدفع مسؤولون إسرائيليون نحو حملة عسكرية ممتدة لأسابيع بهدف تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، يحذر محللون دوليون من أن انهيار الدولة الإيرانية قد لا يفضي بالضرورة إلى نظام ديمقراطي ليبرالي. بل على العكس، تبرز مخاوف جدية من انزلاق إيران نحو سيناريوهات كارثية تشبه الحرب الأهلية في سوريا أو ليبيا، وهو ما قد يغرق الشرق الأوسط في موجة جديدة من عدم الاستقرار واللاجئين، ويؤثر سلباً على أسواق الطاقة العالمية.
معضلة واشنطن ومستقبل النظام
في خضم هذه التطورات، يبدو أن الرئيس ترمب يواجه معضلة حقيقية بشأن شكل الحكومة الإيرانية التي يمكن التعامل معها. فبعد أن ألمح سابقاً لانفتاح على اتفاق، عاد ليصرح بأن «الأوان قد فات»، مشيراً بأسف إلى مقتل شخصيات إيرانية كانت واشنطن تعتبرهم مرشحين محتملين لقيادة أكثر اعتدالاً. وتشير التقديرات إلى أن واشنطن، في حال قبولها التفاوض، ستشترط تعهدات صارمة تشمل التخلي عن البرنامج النووي والصاروخي، ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، مقابل السماح لما تبقى من القيادة بالحفاظ على بعض النفوذ، وهو عرض قد يكون مستحيلاً في ظل التركيبة الحالية للنظام.


