على وقع هدير المسيرات الإسرائيلية والغارات العنيفة التي لا تهدأ، بات خيار تأجيل الانتخابات النيابية في لبنان هو السيناريو الأكثر ترجيحاً وواقعية. المشهد السياسي اللبناني بدأ يعيد ترتيب أوراقه ليتماشى مع الضرورات الأمنية القاهرة، حيث تبنى عدد من النواب تحركاً جدياً لإعداد اقتراح قانون يقضي بالتمديد للمجلس الحالي لمدة عامين، ومن المتوقع طرحه في جلسة تشريعية مرتقبة برئاسة الرئيس نبيه بري قريباً.
المسار السياسي نحو التمديد والضرورات الدستورية
تشير المعطيات إلى أن رئاسة المجلس النيابي كانت متمسكة بإجراء الاستحقاق في مواعيده الدستورية، إلا أن التطورات الدراماتيكية فرضت إيقاعاً مغايراً. فقد جاء التحول في الموقف بعد مشاورات رفيعة المستوى، حيث أبلغ رئيس الحكومة نواف سلام، بالتوافق مع الرئيس جوزيف عون، رئاسة المجلس بأن الظروف الأمنية الحالية تجعل من إجراء الانتخابات أمراً مستحيلاً. وبناءً على ذلك، أبدت أغلب الكتل النيابية مرونة واضحة للموافقة على التمديد، تجنباً للفراغ الدستوري في ظل الحرب.
خلفيات تاريخية لسيناريو التمديد في لبنان
لا يعد الحديث عن تأجيل الانتخابات النيابية سابقة في التاريخ السياسي اللبناني الحديث؛ فقد شهد لبنان سيناريوهات مماثلة فرضتها ظروف الانقسام السياسي والتوترات الأمنية. سبق للمجلس النيابي أن مدد لنفسه ثلاث مرات متتالية بين عامي 2013 و2017، متذرعاً بالأسباب الأمنية القاهرة وعدم الاتفاق على قانون انتخابي. يعيد التاريخ نفسه اليوم، ولكن بظروف أشد قسوة، حيث تفرض الحرب واقعاً ديموغرافياً ولوجستياً معقداً يجعل من الصعب تأمين سلامة مراكز الاقتراع أو ضمان مشاركة الناخبين، خاصة في المناطق الجنوبية والحدودية.
تطورات الميدان تعزز فرضية تأجيل الانتخابات النيابية
ميدانياً، تواصل إسرائيل حربها لليوم الثالث على التوالي بوتيرة تصاعدية، مستخدمة أساليب الحرب النفسية إلى جانب القوة النارية. فقد سجلت الساعات الماضية سابقة خطيرة تمثلت في سيل من الاتصالات الكاذبة التي تجاوزت 200 مكالمة، استهدفت إثارة الذعر بين المدنيين والمؤسسات الرسمية، بما في ذلك قصر العدل في بعبدا ومبنى يقطنه النائب عماد الحوت، فضلاً عن تهديدات لعناصر الجمارك عند معبر المصنع الحدودي.
ولم تقتصر الاعتداءات على الحرب النفسية، بل طالت العمق اللبناني عبر عمليات اغتيال دقيقة، كان أبرزها استهداف عنصر في الجماعة الإسلامية في منطقة عرمون، وعملية غامضة في فندق "كومفورت" بمنطقة الحازمية. بالتوازي، شن الطيران الحربي غارات مكثفة جنوب الليطاني، مما أدى إلى موجة نزوح واسعة تفرغ المنطقة من سكانها، وهو ما يضرب البنية الديموغرافية اللازمة لأي عملية انتخابية.
الأبعاد الاستراتيجية وتأثير الحرب على الاستقرار الإقليمي
يتجاوز قرار التمديد البعد المحلي ليلامس حسابات الأمن الإقليمي والدولي. ففي ظل الانسحابات التكتيكية التي نفذها الجيش اللبناني من بعض النقاط المتقدمة التزاماً بقرار السلطة السياسية وتفادياً للاحتكاك المباشر، ومع الحديث عن توغلات إسرائيلية برية، يصبح الحفاظ على تماسك المؤسسات الدستورية القائمة أولوية قصوى للمجتمع الدولي تفوق أهمية إجراء الانتخابات في موعدها. إن حالة عدم اليقين العسكري، والإنذارات التي طالت أكثر من 120 بلدة، تضع لبنان أمام مرحلة انتقالية حرجة تتطلب استقراراً تشريعياً ولو كان عبر التمديد، لضمان وجود سلطة قادرة على التفاوض وإدارة الأزمة في المرحلة المقبلة.


