في تطور سياسي مفصلي، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن قرار حظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية هو قرار سيادي ونهائي لا رجعة فيه، مشدداً على أن الدولة اللبنانية هي المرجع الوحيد المخول باتخاذ قرارات السلم والحرب. يأتي هذا الموقف الحاسم في أعقاب قرار اتخذه مجلس الوزراء اللبناني يهدف إلى حصر السلاح بيد القوات المسلحة الشرعية، وإنهاء كافة الأنشطة العسكرية الخارجة عن سلطة الدولة وإجماعها الوطني.
وقد أوكل مجلس الوزراء مهمة تنفيذ هذا القرار إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية في جميع المناطق اللبنانية، في خطوة تهدف إلى بسط سيادة الدولة الكاملة على أراضيها، وإنهاء حالة “الدولة داخل الدولة” التي طالما شكلت نقطة جدل سياسي داخلي وإقليمي عميق. وأعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن هذا الحظر جاء كرد فعل مباشر على قيام الحزب بشن هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل، والذي وصفه الحزب بأنه “ثأر” لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، مما وضع لبنان في قلب مواجهة إقليمية خطيرة دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية.
خلفيات القرار وأبعاده السيادية
يمثل هذا القرار تحولاً جذرياً في التعاطي الرسمي اللبناني مع قضية سلاح حزب الله، وهي قضية تعود جذورها إلى فترة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية. فبينما تم نزع سلاح جميع الميليشيات الأخرى بموجب اتفاق الطائف عام 1989، احتفظ حزب الله بترسانته العسكرية تحت ذريعة “مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”. ومع تحرير جنوب لبنان عام 2000، تحول هذا السلاح إلى عنصر أساسي في ميزان القوى الداخلي وأداة فعالة في السياسة الإقليمية لإيران. لطالما استندت الشرعية الدولية، ممثلة بقرارات مجلس الأمن الدولي مثل القرار 1559 والقرار 1701، إلى ضرورة نزع سلاح كافة المجموعات المسلحة في لبنان وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وهو ما يمنح القرار الحكومي الأخير غطاءً دولياً قوياً.
دعم دولي وإقليمي لخطوة حظر أنشطة حزب الله
لم يأتِ القرار اللبناني بمعزل عن محيطه، حيث حظي بتأييد فوري من “اللجنة الخماسية” التي تضم سفراء المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، وفرنسا، وقطر، ومصر. وأكد السفير المصري في لبنان، علاء موسى، عقب لقاء اللجنة بالرئيس عون في قصر بعبدا، الدعم الكامل للشرعية اللبنانية ورفض أي أعمال تتم خارج إطارها. وشدد موسى على أن “العمل الدبلوماسي هو الملاذ الآمن لحماية أمن واستقرار لبنان والحفاظ على سيادته”. يعكس هذا الدعم الدولي والإقليمي رغبة واسعة في رؤية لبنان دولة مستقرة ومستقلة، تسيطر على قراراتها السيادية بعيداً عن الأجندات الخارجية، كما يمثل ضغطاً إضافياً لتنفيذ القرار على الأرض.
تحديات التنفيذ ومستقبل الاستقرار في لبنان
على الرغم من الأهمية التاريخية للقرار، يواجه تنفيذه تحديات جمة، أبرزها القوة العسكرية والتنظيمية الكبيرة التي يتمتع بها حزب الله وتغلغله في النسيج الاجتماعي والسياسي اللبناني. وأكد الرئيس عون أن الجيش سيستمر في تنفيذ الخطة الأمنية دون تراجع، مع التزام المجتمع الدولي بتقديم الدعم اللازم له، بما في ذلك عقد مؤتمر لدعم الجيش في فرنسا حين تسمح الظروف. يبقى مستقبل لبنان مرهوناً بالقدرة على تطبيق هذا القرار السيادي، الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وبناء الدولة، أو قد يؤدي إلى توترات داخلية إذا ما قوبل بالرفض من قبل الحزب وحلفائه.


