في خضم التوترات المتصاعدة التي تشكل ملامح الصراع مع إيران، تقف منطقة الشرق الأوسط على مفترق طرق حاسم، حيث تتجاذبها رؤيتان متناقضتان ترسمان مستقبلها. فبينما يتمسك وزير خارجية سلطنة عُمان، بدر البوسعيدي، بخيار الحوار كطوق نجاة، مؤكداً أن باب الدبلوماسية لم يُغلق بعد، تأتي تصريحات غربية لتشير إلى أن المواجهة العسكرية قد تكون خياراً مطروحاً على الطاولة، مما يضع المنطقة بأكملها في حالة من الترقب الحذر. هذا التباين الحاد في المواقف ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية معقدة تعود جذورها لسنوات طويلة.
جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى حافة الهاوية
تعود فصول هذا التوتر المتجدد إلى الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة إعلامياً بـ”الاتفاق النووي الإيراني”، في عام 2018. هذا الاتفاق، الذي أبرم في عام 2015 بعد مفاوضات ماراثونية، كان يُعتبر إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. ولطالما لعبت سلطنة عُمان، بفضل سياستها الخارجية المحايدة وعلاقاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن، دوراً محورياً كقناة خلفية سرية ووسيط نزيه في المحادثات التي مهدت لهذا الاتفاق. ومع انهيار الاتفاق وإعادة فرض العقوبات، دخلت المنطقة في دوامة من التصعيد المتبادل، مما أعاد إحياء المخاوف من اندلاع مواجهة شاملة.
دبلوماسية مسقط: هل تنجح في نزع فتيل الصراع مع إيران؟
تستند الدعوات العُمانية المتجددة للحوار إلى إرث دبلوماسي راسخ وقناعة عميقة بأن التفاوض هو السبيل الوحيد لتجنب حرب مدمرة ستكون تداعياتها كارثية على استقرار المنطقة والعالم. وفي هذا السياق، أكد الوزير البوسعيدي عبر منصة “إكس” أن المحادثات التي جرت سابقاً أحرزت “تقدماً حقيقياً نحو اتفاق غير مسبوق بين إيران والولايات المتحدة”، مضيفاً أنه على الرغم من أن اندلاع الحرب كان أمراً مؤسفاً، إلا أنه “لا ينبغي أن يعني انطفاء أمل السلام”. هذا الموقف لا يعكس فقط سياسة عُمان التقليدية، بل ينم عن فهم عميق لتعقيدات المشهد، حيث إن أي تصعيد عسكري لن يقتصر على طرفي النزاع، بل سيمتد ليؤثر على أمن الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي لدول الجوار.
تداعيات المواجهة: أزمة عالمية تلوح في الأفق
على الجانب الآخر، يتجلى القلق الدولي من خلال المواقف الأوروبية الحازمة. فقد أصدر قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بياناً مشتركاً تعهدوا فيه باتخاذ كافة الخطوات اللازمة للدفاع عن مصالحهم وحلفائهم في المنطقة. وأشار البيان إلى أن هذه الخطوات قد تشمل “إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة”، معربين عن استيائهم من الهجمات الإيرانية. هذا التهديد المبطن يعكس إدراكاً بأن تدهور الوضع الأمني يهدد المصالح الغربية بشكل مباشر، ليس فقط عبر أمن إمدادات الطاقة ولكن أيضاً عبر احتمالية نشوء موجات لجوء جديدة. إن أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تهدد حرية الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، مما قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع هائل في الأسعار، ليظل مستقبل المنطقة معلقاً بين أمل الدبلوماسية التي تقودها مسقط، ومخاطر المواجهة التي قد تفرض واقعاً جديداً ومؤلماً على الجميع.


