في تصعيد غير مسبوق ينذر بتغيير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتابع عن كثب تطورات الموقف المتفجر في الخليج العربي، وذلك في أعقاب تقارير استخباراتية وبحرية مؤكدة تفيد بإقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو ما يضع العالم أمام سيناريوهات عسكرية واقتصادية معقدة.
وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، اليوم (السبت)، بأن الرئيس ترمب قضى ليلته في منتجع «مارالاغو» بفلوريدا محاطاً بفريق الأمن القومي لمراقبة الوضع لحظة بلحظة. وكشفت ليفيت عن تحركات دبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى، حيث أجرى الرئيس اتصالاً هاتفياً عاجلاً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتنسيق الردود والمواقف المشتركة. وبالتوازي، تولى وزير الخارجية ماركو روبيو إطلاع الكونغرس على خطورة الموقف، حيث تواصل مع ما يُعرف بـ«عصابة الثمانية» – وهم قادة الكونغرس المعنيون بالمعلومات الاستخباراتية – ونجح في إطلاع 7 من أصل 8 أعضاء على تفاصيل التحركات العسكرية المرتقبة.
تحذيرات بحرية وتوتر ميداني
ميدانياً، أكد مسؤول في بعثة الاتحاد الأوروبي البحرية «أسبيدس» رصد رسائل تحذيرية شديدة اللهجة وجهها «الحرس الثوري» الإيراني عبر موجات الراديو (VHF) للسفن التجارية، تفيد بمنع العبور نهائياً عبر المضيق. ويأتي هذا الإجراء الإيراني الحاد كرد فعل مباشر وانتقامي على سلسلة الهجمات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف حيوية داخل الأراضي الإيرانية، والتي ردت عليها طهران بقصف مواقع في إسرائيل ودول أخرى في المنطقة.
الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمضيق
يكتسب هذا الحدث خطورته من الأهمية الاستثنائية لمضيق هرمز، الذي يُوصف بـ«رئة العالم النفطية». فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل هو الشريان الرئيسي الذي يربط كبار منتجي النفط في الخليج (السعودية، العراق، الإمارات، الكويت، وإيران) بالأسواق العالمية المتعطشة للطاقة في آسيا وأوروبا. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن ما يقرب من 20% من إجمالي استهلاك العالم من النفط السائل يمر عبر هذا الممر الضيق يومياً، مما يعني أن إغلاقه يمثل «زلزالاً اقتصادياً» قد يعصف باستقرار الأسواق العالمية.
تداعيات اقتصادية وتاريخ من التوتر
تاريخياً، لطالما كان مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية تلوح بها طهران، حيث يعيد هذا المشهد للأذهان توترات «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي، والتهديدات المتكررة في العقد الأخير. إلا أن التنفيذ الفعلي للإغلاق اليوم يحمل تداعيات أشد قسوة؛ إذ يتوقع الخبراء قفزات جنونية فورية في أسعار النفط والغاز، وارتفاعاً حاداً في تكاليف التأمين البحري، مما سيؤدي بالتبعية إلى موجة تضخم عالمية قد تضرب اقتصادات الدول المستوردة للطاقة في مقتل.
المسار الدبلوماسي وسط طبول الحرب
وعلى الرغم من ضبابية المشهد العسكري، لا تزال الدبلوماسية تبحث عن موطئ قدم. فقد نقل التلفزيون الإيراني عن وزير الخارجية عباس عراقجي تصريحات تشير إلى أن طهران «لا تزال مهتمة بالتهدئة»، لكنه وضع شرطاً مسبقاً يتمثل في الوقف الفوري للهجمات الغربية والإسرائيلية. وشدد عراقجي على تمسك بلاده بحقوقها النووية، ملمحاً إلى أن الباب ليس موصداً تماماً أمام اتفاق يضمن سلمية البرنامج النووي، شريطة احترام السيادة الإيرانية.
في الختام، تترقب العواصم العالمية بحذر شديد الساعات القادمة، حيث أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض استمرار المراقبة على مدار الساعة. ويبدو أن المنطقة تقف على حافة هاوية، حيث قد يؤدي أي سوء تقدير إلى انزلاق الوضع نحو مواجهة عسكرية دولية مفتوحة لضمان حرية الملاحة في أهم ممر مائي في العالم.


