دعا الباحث في العلاقات الثقافية والدراسات الاستشراقية، بسام الجيال، إلى إعادة بناء السردية السعودية من خلال جمع وتوثيق الذاكرة الوطنية والمجتمعية، محذراً من ترك مساحة رواية التاريخ الوطني لمصادر خارجية قد لا تنقل الصورة الكاملة للمجتمع والدولة.
أهمية توثيق التاريخ المحلي وتجاوز الرواية الأجنبية
وأوضح الجيال أن الذاكرة ليست مخزناً محايداً للماضي، بل هي ما جرى حفظه وتدوينه ونقله بين الأجيال. وأشار إلى أن الرحالة والمستشرقين والدبلوماسيين الأجانب تركوا مادة هائلة عن الجزيرة العربية وصفت المدن والقبائل والحج والعادات، ورغم أهمية هذه الثروة المعرفية، إلا أنها ليست محايدة تماماً، إذ تعبر عن زوايا نظر كتابها ومصالح دولهم، مما يتطلب وضع الرواية المحلية إلى جانبها لتكتمل الصورة.
تاريخ ما قبل النفط: مجتمع حيوي واقتصاد متكامل
واستشهد الباحث بمرحلة ما قبل النفط في المملكة كنموذج لتأثير غياب الرواية المحلية؛ حيث يطغى اكتشاف النفط على السرد التاريخي لتبدو تلك المرحلة وكأنها زمن ساكن. وأكد على ضرورة إبراز تفاصيل حياة المجتمع السعودي قبل النفط، مثل حركة التجارة وقوافل “العقيلات”، وتجار نجد وجدة والحجاز، واقتصاد الحج، والزراعة والحرف المحلية، إلى جانب جهود توحيد البلاد وبناء الإدارة وتأسيس العلاقات الدبلوماسية بإمكانات مالية محدودة قبل تدفق الثروة النفطية.
مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع
وشدد الجيال على أن بناء الذاكرة الوطنية وحفظها ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية مجتمعية تشاركية. فبينما تؤسس الدولة الأرشيفات والمتاحف وتدعم الرقمنة، فإن الجزء الأكبر من التاريخ يوجد داخل البيوت وفي ذاكرة الأسر، من خلال الصور القديمة، والرسائل، ومذكرات الأشخاص الذين عاصروا مراحل اجتماعية هامة كبدايات تعليم البنات.
تحديات العصر الرقمي وحفظ الأرشيف الوطني
وفي الختام، نبه الباحث إلى أهمية إتاحة التاريخ السعودي رقمياً للأجيال الجديدة التي تكتشف الماضي عبر محركات البحث والمنصات الرقمية، مؤكداً أن غياب الوثائق المحلية عن الفضاء الرقمي يمنح الروايات الأجنبية المتاحة تأثيراً أكبر في تشكيل وعي الأجيال القادمة بالماضي الوطني.


