يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحديات متزايدة مع اقتراب الانتخابات الفرنسية الرئاسية، وسط مخاوف من صعود قوى سياسية تطالب بتقليص دور باريس في الحلف أو الانسحاب منه بالكامل، بالتزامن مع تصاعد الشكوك بشأن الالتزام الدفاعي الأمريكي تجاه أوروبا.
وتشير استطلاعات الرأي الداخلية في الحلف إلى أن 54% فقط من الفرنسيين يؤيدون بقاء بلادهم فيه، وهي ثاني أدنى نسبة بين الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة. ويعبر مسؤولون ودبلوماسيون في الحلف عن قلقهم من نتائج الاقتراع المقبل؛ حيث وصف أحد الدبلوماسيين خسارة فرنسا المحتملة بأنها ستكون “كارثية”.
مواقف المرشحين وتداعيات الانسحاب
تؤيد شرائح واسعة من الناخبين الفرنسيين مرشحين من اليمين واليسار المتشددين؛ إذ دعت زعيمة حزب التجمع الوطني، مارين لوبان، إلى انسحاب فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة، بينما يطالب جان لوك ميلانشون بالانسحاب الكامل من الحلف.
ويمثل خروج فرنسا أو تراجع دورها ضربة قوية للناتو، لكونها قوة نووية رئيسية وعضواً مؤثراً في الاتحاد الأوروبي. وقد يؤثر هذا التحول على انتشار القوات الفرنسية في رومانيا وإستونيا، وعلى التنسيق العسكري والوصول إلى القدرات والمعدات المشتركة.
مخاوف أوروبية وسوابق تاريخية
تتزايد حساسية هذا الملف في ظل تقليص الولايات المتحدة وجودها العسكري في أوروبا خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، ما دفع الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها الدفاعية تحسباً لمواجهة روسيا خلال السنوات القادمة.
وفي هذا السياق، دعا وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانين، فرنسا إلى الحفاظ على اندماجها الكامل في هياكل الناتو. كما أكد الباحث الدفاعي والمتحدث السابق باسم الحلف، جيمي شيا، أن تراجع الوجود الأمريكي يفرض على الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، تحمل مسؤولية أكبر داخل الحلف بدلاً من الابتعاد عنه.
تاريخياً، ليست هذه المرة الأولى التي تبتعد فيها باريس عن الهيكل العسكري للناتو؛ ففي عام 1966 سحب الرئيس شارل ديغول فرنسا من القيادة العسكرية، مما أدى لنقل مقر الحلف من باريس إلى بروكسل، قبل أن تعود عام 2009 في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.
ويرى خبراء أن تكرار السيناريو قد لا يعني قطيعة كاملة، لكن وصول رئيس فرنسي متشدد قد يضعف التعاون العسكري ويخلق حالة من عدم اليقين، رغم أن الاحتمالات تظل مفتوحة، إذ قد يخفف المرشحون مواقفهم بعد الوصول إلى السلطة، كما حدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.


